منصة دبلوماسية وساحة للتناحر بين رؤساء الدول
قصص.. «حذاء خروتشوف» و4 ساعات كوبى وغصن عرفات وخطاب القذافى بالامم المتحدة
على مدار أكثر من 80 عامًا، ارتبط اسم الأمم المتحدة بالدبلوماسية والحوار والسعي إلى تسوية النزاعات، لكن قاعات المنظمة الدولية شهدت أيضًا لحظات خرجت فيها اللغة الدبلوماسية عن هدوئها المعتاد، وتحولت بعض الجلسات إلى ساحات للمواجهة اللفظية والمقاطعات والانفعالات، فيما بقيت بعض المشاهد عالقة في الذاكرة باعتبارها من أكثر اللحظات غرابة في تاريخ المنظمة.
ولعل أشهر هذه الوقائع تعود إلى عام 1960، عندما كان العالم يعيش ذروة الحرب الباردة، ووقف الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف في الجمعية العامة للأمم المتحدة في مواجهة حادة مع خصوم بلاده وأثناء إحدى الجلسات، دخل خروتشوف في مشادة مع مندوب الفلبين لورنزو سومولونج، ووفق وثائق أمريكية تاريخية، خلع خروتشوف حذاءه ورفعه ولوّح به ثم ضرب به مكتبه، قبل أن يستخدم قبضتيه أيضًا.
لكن قصة «حذاء خروتشوف» نفسها لم تخلُ من الجدل، فالأمم المتحدة خصصت مادة من أرشيفها للسؤال عما إذا كان الحذاء قد ضرب الطاولة بالفعل، مشيرة إلى أن الواقعة تحولت إلى واحدة من أشهر الأساطير المرتبطة بتاريخ الجمعية العامة.
ولم تتوقف أجواء التوتر في دورة عام 1960 عند الحذاء؛ فقد وصل الأمر إلى رئيس الجمعية العامة الإيرلندي فريدريك بولاند، الذي حاول فرض النظام باستخدام مطرقة الجلسات، إلا أن المطرقة انكسرت خلال محاولة تهدئة الفوضى داخل القاعة.

خطاب 4 ساعات
وفي العام نفسه، قدم الزعيم الكوبي فيدل كاسترو واحدًا من أكثر الخطابات طولًا في تاريخ الأمم المتحدة. ففي 26 سبتمبر 1960، ظل كاسترو على منصة الجمعية العامة لمدة 269 دقيقة، أي أكثر من أربع ساعات ونصف، رغم أن القاعدة المتبعة كانت تطلب من المتحدثين الالتزام بحدود زمنية أقصر بكثير. وتؤكد الأمم المتحدة أن خطاب كاسترو هو الأطول زمنيًا في تاريخ خطابات الجمعية العامة المسجلة.
ولم يكن الخطاب مجرد حديث مطول، إذ استغل كاسترو الوقت في توجيه انتقادات حادة للولايات المتحدة وسياساتها في أمريكا اللاتينية، لتتحول المنصة الأممية إلى مساحة لمواجهة سياسية طويلة بين هافانا وواشنطن.
عرفات وغصن زيتون
وفي نوفمبر 1974، شهدت الجمعية العامة لحظة مختلفة، عندما وقف ياسر عرفات للمرة الأولى أمام الجمعية العامة بصفته رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وقال عرفات في خطابه إنه جاء يحمل «غصن زيتون وبندقية مقاتل من أجل الحرية»، داعيًا إلى عدم إسقاط غصن الزيتون من يده. وأصبح التعبير واحدًا من أكثر العبارات ارتباطًا بخطابه التاريخي، كما وثقته سجلات الأمم المتحدة الرسمية.
وبعد عقود، جاء الدور على الزعيم الليبي معمر القذافي، الذي ألقى في سبتمبر 2009 خطابًا طويلًا أمام الجمعية العامة.
وبحسب السجل الرسمي للأمم المتحدة، استمر خطاب القذافي نحو ساعة و36 دقيقة، في جلسة تجاوز فيها الوقت المعتاد للمتحدثين، وتناول خلالها قضايا متعددة، بينها إصلاح النظام الدولي ومجلس الأمن والأزمات العالمية، ومزَّق نسخة من ميثاق الأمم المتحدة، متهمًا الدول دائمة العضوية بأنها منحت نفسها هذا الامتياز لتستخدمه ضد بقية الدول.

وأصبح الخطاب واحدًا من أكثر ظاهرات القذافي إثارة للجدل على المنصة الأممية، بسبب أسلوبه المطول وطبيعة الانتقادات التي وجهها إلى النظام الدولي.
ولم تقتصر المشاحنات على الكلمات داخل القاعة، ففي خطابات الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد أمام الجمعية العامة، شهدت القاعة أكثر من مرة انسحاب وفود دبلوماسية احتجاجًا على مضمون تصريحاته.
وفي عام 2011، غادر الوفد الأمريكي القاعة أثناء خطابه، بعدما اعتبر مسؤولون أمريكيون أن تصريحاته تضمنت ما وصفوه بعبارات معادية للسامية ونظريات مؤامرة.
وهكذا تحولت مغادرة القاعة نفسها إلى أداة دبلوماسية تحمل رسالة سياسية واضحة، بدلًا من الاكتفاء بالرد عبر الكلمات.
شيطان تشافيز
لكن ربما كان المشهد الأكثر شهرة من حيث المزج بين السخرية والهجوم السياسي هو خطاب الرئيس الفنزويلي الراحل هوجو تشافيز في 20 سبتمبر 2006.
وقف تشافيز على المنصة نفسها التي تحدث منها الرئيس الأمريكي جورج بوش في اليوم السابق، وقال إن «الشيطان جاء إلى هنا بالأمس»، مضيفًا أن رائحة الكبريت ما زالت موجودة. وأشار بذلك مباشرة إلى بوش، وسط ضحكات وتصفيق من بعض الحاضرين.

لم يكن تشافيز يكتفي بمهاجمة الرئيس الأمريكي، بل شن هجومًا على الدور الأمريكي في النظام الدولي، ودعا في الوقت نفسه إلى إصلاح الأمم المتحدة وتغيير تركيبة مجلس الأمن. وتحول خطابه خلال ساعات إلى واحد من أشهر مشاهد الجمعية العامة التي جمعت بين السخرية والمواجهة السياسية.
وبين حذاء خروتشوف، وخطاب كاسترو الذي تجاوز أربع ساعات، وغصن زيتون عرفات، وخطاب القذافي الطويل، وانسحابات الوفود أمام أحمدي نجاد، وعبارة تشافيز عن «الشيطان»، أثبتت الأمم المتحدة أن الدبلوماسية الدولية لا تسير دائمًا وفق النصوص والقواعد الهادئة؛ ففي أحيان كثيرة، تصبح قاعة المنظمة نفسها مسرحًا لمواجهة تعكس حجم الصراعات التي يعيشها العالم خارج جدرانها.






