و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

التقاضي عن بُعد.. حين تدخل العدالة عصر الرقمنة ولا تخرج من سلطان القانون
لا أحد يختلف مع الدولة في أن العدالة يجب أن تواكب العصر، وأن تنتقل من الملفات الورقية إلى المنظومات الرقمية، ومن أروقة المحاكم المزدحمة إلى فضاء إلكتروني يختصر الوقت والجهد، ويحفظ الإجراءات، وييسر الوصول إلى العدالة.

ولا أظن أن هناك رجل قانون عاقلًا يمكن أن يعترض على تطوير منظومة العدالة أو استخدام التكنولوجيا الحديثة في إجراءات التقاضي.

لكن بين أن نُرقمن العدالة، وبين أن نفرض رسمًا على ممارسة حق من حقوقها، مسافة قانونية ودستورية لا يجوز أن نتجاوزها.

وهنا تحديدًا تبدأ المسألة التي أثارت جدلًا واسعًا خلال الساعات الماضية حول رسوم منظومة التقاضي الجنائي عن بُعد.

فالمنصة التي أطلقتها وزارة العدل تتيح للمحامين التسجيل والحضور عن بُعد أمام محاكم جنايات أول درجة، والاطلاع على ملفات الدعاوى، والحصول على بعض الخدمات إلكترونيًا، وقد حددت المنظومة مبالغ مالية متعددة، من بينها 500 جنيه للاشتراك السنوي، و500 جنيه لحضور جلسة الجناية عن بُعد، و100 جنيه لجلسة تجديد الحبس، فضلًا عن مقابل تصوير أوراق واشتراكات الرسائل النصية.

ومن هنا لا ينبغي أن يكون السؤال:

هل نحن مع التقاضي عن بُعد أم ضده؟

فهذا سؤال في غير موضعه.

السؤال الحقيقي هو:

هل تملك الإدارة أن تفرض مقابلًا ماليًا على ممارسة إجراء من إجراءات التقاضي لمجرد أنها نقلته من الوسيلة التقليدية إلى الوسيلة الرقمية؟

وهنا يجب أن نكون أمام ثلاث دوائر قانونية متمايزة:

المشروعية.. والدستورية.. والقانونية.

أولًا: مشروعية التقاضي عن بُعد لا تعني مشروعية الرسوم

التقاضي عن بُعد، في ذاته، لم يعد فكرة تجريبية أو إجراءً مستحدثًا بلا سند؛ فقانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 نظم استخدام وسائل الاتصال الحديثة في الإجراءات الجنائية، كما أناط بوزير العدل إصدار القرارات اللازمة لتنفيذ أحكام القانون في حدود الاختصاص المقرر له.

ومن ثم فإن أصل المنظومة مشروع، بل هو اتجاه تشريعي وإداري نحو تطوير العدالة.

ولكن ينبغي ألا نخلط بين أمرين مختلفين:

تنظيم وسيلة التقاضي شيء، وفرض عبء مالي على استعمال هذه الوسيلة شيء آخر.

فإذا كانت الدولة قد اختارت أن تجعل الحضور في بعض الإجراءات يتم إلكترونيًا، فإن مجرد كون الوسيلة إلكترونية لا ينشئ بذاته حقًا للإدارة في تحصيل مبلغ مالي من المحامي أو المتقاضي.

والقاعدة هنا بسيطة:

الاختصاص في تنظيم المرفق لا يساوي الاختصاص في إنشاء رسم.

ثانيًا: «لا رسم إلا بقانون»

وهذه في تقديري هي النقطة الأهم في الموضوع كله.

الرسم ليس مجرد رقم يظهر على شاشة إلكترونية، وليس مجرد تكلفة تضعها الجهة الإدارية في مقابل خدمة تقدمها.

فإذا كان المقابل المالي يُفرض إلزامًا بمناسبة مباشرة إجراء قضائي، ويكون أداؤه لازمًا للانتفاع بهذا الإجراء، فنحن أمام عبء مالي يجب أن نبحث عن مصدر السلطة القانونية التي أنشأته.

وهنا السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا:

أين النص التشريعي الذي أنشأ هذا الرسم؟

ليس السؤال: من وضع الرقم؟

ولا: هل المنصة تحتاج إلى تمويل؟

ولا: هل التكنولوجيا مكلفة؟

وإنما:

من منح الإدارة سلطة إلزام المتقاضي أو المحامي بأداء هذا المبلغ؟

فالإدارة لا تستمد اختصاصها من حاجتها المالية، وإنما من القانون.

ولا تتحول النفقة التي أنفقتها الدولة على إنشاء منصة إلى سند قانوني لتحميل مستخدمها عبئًا ماليًا، إلا إذا كان هناك تشريع ينظم ذلك ويحدد إطاره.

أما القرار التنفيذي، فوظيفته تنفيذ القانون، لا أن يحل محل المشرع.

ثالثًا: التفويض التنفيذي لا ينبغي أن يتحول إلى تفويض تشريعي

قد يقال إن قانون الإجراءات الجنائية الجديد منح وزير العدل سلطة إصدار القرارات اللازمة لتنفيذه.

وهذا صحيح من حيث الأصل.

لكن يجب أن نقرأ هذه السلطة في حدودها الطبيعية.

فالقرار الإدارى يستطيع أن ينظم الإجراءات، ويحدد آليات العمل، ويضع النماذج، وينظم الدخول إلى المنصة، ويحدد الوسائل الفنية اللازمة للتطبيق.

أما إنشاء التزام مالي جديد في ذمة المواطن أو المحامي فهذه مسألة أخرى.

لأننا إذا قبلنا بأن عبارة «القرارات اللازمة للتنفيذ» تمنح الإدارة سلطة إنشاء أي مقابل مالي تراه مناسبًا، فنحن لا نكون أمام لائحة تنفيذية، وإنما أمام تشريع مالي يصدر من السلطة التنفيذية.

وهذا فارق ليس شكليًا.

إنه فارق بين تنفيذ القانون وإنشاء قاعدة قانونية جديدة.

رابعًا: وماذا عن الدستور؟

الدستور لم يجعل حق التقاضي مجرد باب مادي مفتوح، وإنما أحاطه بضمانات تكفل أن يكون الوصول إلى القضاء حقيقيًا وفعالًا.

ومن هنا فإن المسألة الدستورية لا تختزل في سؤال:

هل يجوز أن تحصل الدولة مالًا مقابل خدمة إلكترونية؟

فقد توجد خدمات إلكترونية اختيارية يجوز أن يكون لها مقابل.

لكن السؤال الدستوري يصبح أكثر خطورة عندما تكون الخدمة الرقمية هي الطريق إلى مباشرة إجراء قضائي أصيل.

فإذا كان المحامي يستطيع أن يحضر الجلسة حضوريًا دون هذا المقابل، ثم أتيح له الحضور عن بُعد مقابل مبلغ مالي، فقد يكون النقاش مختلفًا.

أما إذا أصبحت الوسيلة الرقمية هي الوسيلة المفروضة أو العملية الوحيدة لمباشرة الإجراء، فإن تحميلها بمقابل مالي يطرح سؤالًا دستوريًا مشروعًا:

هل أصبح الوصول إلى العدالة مقيدًا بقدرة مالية على شراء وسيلة الوصول إليها؟

وهنا تظهر أيضًا مسألة المساواة.

فليس من المقبول أن تتحول الرقمنة، التي يفترض أن تكون وسيلة لتيسير العدالة، إلى أداة تميز بين القادر على الدفع وغير القادر عليه.

العدالة قد تتطور تقنيًا، لكنها لا يجوز أن تتفاوت ماليًا.

خامسًا: هل كل ما يُسمى «مقابل خدمة» يخرج من نطاق الرسوم؟

هذه حجة تستحق التوقف.

فقد يقال إن المبالغ ليست «رسوم تقاضٍ»، وإنما هي «مقابل خدمات إلكترونية».

لكن العبرة في القانون ليست بالاسم الذي تختاره الإدارة، وإنما بحقيقة المقابل وطبيعته وآثاره.

فإذا كان المبلغ يُدفع لكي يتمكن المحامي من حضور جلسة قضائية عن بُعد، أو لكي يحصل على إجراء مرتبط مباشرة بملف الدعوى، فلابد من فحص طبيعة هذا المقابل: هل هو خدمة اختيارية مستقلة فعلًا؟ أم أنه جزء من ممارسة حق إجرائي أصيل؟

فالعبارات لا تغير الحقائق.

وإطلاق اسم «مقابل خدمة» على الرسم لا يمنحه تلقائيًا مشروعية قانونية.

سادسًا: وماذا عن تكلفة التكنولوجيا؟

لا خلاف أن إنشاء وتشغيل المنصات الإلكترونية يكلف الدولة أموالًا.

ولا خلاف كذلك أن التحول الرقمي يحتاج إلى بنية تحتية، وخوادم، وبرامج، وتأمين إلكتروني، وصيانة، وتطوير مستمر.

لكن هذه اعتبارات تتعلق بالسياسة المالية والإدارية للدولة، ولا تكفي وحدها لإنشاء التزام مالي في ذمة المخاطبين بالقانون.

فلو جاز للإدارة أن تفرض رسمًا كلما أنفقت على تطوير مرفق عام، لتحولت تكلفة إدارة المرافق العامة إلى رسوم تُنشأ بالقرارات الإدارية.

وهنا نعود إلى الأصل:

الإنفاق على المرفق شأن، وفرض رسم على المنتفع شأن آخر.

سابعًا: هل أقول إن القرار غير دستوري؟

هنا أتحفظ عن إطلاق الأحكام قبل الاطلاع على القرار المنشئ للرسوم وسنده القانوني كاملًا.

والكاتب القانوني المهني لا يصدر حكمًا قبل أن يقرأ النص.

لذلك لا أقول إن القرار «باطل دستوريًا» على إطلاقه.

ولكنني أقول بوضوح:

إن فرض هذه المبالغ يثير شبهة جدية في المشروعية والدستورية، إذا لم يكن قائمًا على سند تشريعي واضح ينظم إنشاء المقابل المالي وتحديد نطاقه وضوابطه.

وهذا هو جوهر المسألة.

فإذا وجد النص التشريعي الصريح، وجب أن نقرأه ونحدد مدى التفويض وحدوده.

أما إذا لم يوجد، فالسؤال يصبح أكثر صعوبة بالنسبة للقرار الإداري:

من أين استمدت الإدارة سلطة إنشاء هذا الالتزام المالي؟

وأخيرًا..

أنا مع رقمنة العدالة.

ومع التقاضي عن بُعد.

ومع أن تدخل التكنولوجيا إلى قاعات المحاكم.

ومع كل خطوة تختصر وقت القاضي والمحامي والمتقاضي، وتقلل التكدس، وتحفظ الإجراءات، وتحقق العدالة الناجزة.

لكنني، في الوقت نفسه، مع قاعدة أعمق من كل ذلك:

أن تظل التكنولوجيا خادمة للقانون، لا أن يصبح القانون خادمًا للتكنولوجيا.

فالعدالة ليست تطبيقًا إلكترونيًا.

والحق في الدفاع ليس اشتراكًا شهريًا.

والمحكمة ليست منصة تجارية.

والمتقاضي ليس «عميلًا» اشترى باقة خدمات.

إننا حين ندخل العدالة إلى العصر الرقمي، لا ينبغي أن نُخرجها من سلطان الدستور والقانون.

ولهذا فإن السؤال الذي أضعه أمام المشرع والإدارة والقضاء ليس اعتراضًا على التطوير، وإنما دفاعًا عن التطوير نفسه:

هل نُرقمن العدالة؟ نعم.

هل نُنظم التقاضي عن بُعد؟ نعم.

هل نُحسن استخدام التكنولوجيا في القضاء؟ بكل تأكيد.

لكن:

هل يجوز أن تُنشئ الإدارة رسمًا على ممارسة حق التقاضى بقرار إداري، دون سند تشريعي واضح؟

هنا فقط..

يتوقف الأمر على القانون.

والقانون، في دولة المؤسسات، ليس وجهة نظر.

تم نسخ الرابط