بعد تصريحات رئيس مجلس الوزراء بشأن التوجه إلى وقف استيراد بعض أنواع الإنسولين التي يتوافر لها بديل يُصنع محليًا، في إطار دعم الصناعة الوطنية وترشيد استخدام العملة الصعبة، عاد الجدل حول الإنسولين إلى الواجهة من جديد.
فالقرار، الذي يبدو اقتصاديًا وصناعيًا مفهومًا من حيث المبدأ، أثار في المقابل مخاوف حقيقية لدى عدد كبير من المرضى وأسرهم، خصوصًا أن الحديث هنا لا يتعلق بسلعة يمكن استبدالها بسهولة، وإنما بدواء يعتمد عليه ملايين المرضى يوميًا، وبينهم أطفال وكبار سن، وقد يرتبط تغيير نوعه أو طريقة استخدامه بتعديل الجرعات ونمط العلاج والمتابعة الطبية.
ومن هنا بدأ السؤال يتكرر: هل المقصود وقف استيراد كل أنواع الإنسولين؟ وهل يوجد بالفعل بديل مصري لكل الأنواع التي يستخدمها المرضى؟
قلق الأمهات.. الدواء ليس مجرد بديل
عند الحديث مع عدد من الأمهات اللاتي لديهن أطفال مصابون بالسكري، بدا واضحًا أن القلق لا يتعلق فقط باسم الشركة المصنعة أو فكرة المحلي والمستورد، وإنما بطبيعة العلاج نفسه.
فبعض الأطفال يحتاجون إلى أكثر من نوع من الإنسولين، أحدهما طويل أو ممتد المفعول، والآخر سريع المفعول، وتختلف الجرعات ومواعيد الاستخدام من طفل إلى آخر بحسب حالته ونظامه العلاجي.
وتقول إحدى الأمهات إن طفلها يحتاج تقريبًا إلى نوعين من الإنسولين، إلى جانب مستلزمات متابعة السكر، وهي تكلفة تمثل عبئًا مستمرًا على الأسرة. وتوضح أخرى أن كمية الإنسولين المستخدمة تختلف بحسب عمر الطفل وحالته، ولذلك قد تختلف التكلفة الشهرية من أسرة إلى أخرى.
وهنا يظهر جانب آخر من القلق: في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكلفة العلاج، لا يريد المرضى وأسرهم أن يجدوا أنفسهم أمام قرار جديد يحملهم مسؤولية البحث عن البديل المناسب أو تحمل تكلفة تغيير نظام علاجي اعتاد عليه المريض لسنوات.
الرأي الصيدلي يوضح: ليست كل أنواع الإنسولين شيئًا واحدًا
خلال التواصل مع أكثر من صيدلي، كان هناك اتفاق على نقطة أساسية: لا يمكن التعامل مع كلمة «إنسولين» باعتبارها نوعًا واحدًا من العلاج يمكن استبدال أي منتج فيه بآخر لمجرد أن كليهما يُستخدم لعلاج السكري.
فهناك أنواع مختلفة من الإنسولين تختلف في سرعة بدء المفعول ووقت الوصول إلى الذروة ومدة استمرار التأثير.
ومن بين الأنواع المتداولة:
• الإنسولين قصير المفعول Regular Human Insulin، والذي يبدأ مفعوله عادة بصورة أبطأ من أنواع الإنسولين السريعة، ويُستخدم وفق نظام علاجي يحدده الطبيب.
• الإنسولين سريع المفعول Rapid-acting insulin، ويشمل أنواعًا مثل:
NovoRapid وHumalog وApidra وغيرها، وهي أنواع تختلف في طبيعتها عن الإنسولين البشري العادي من حيث سرعة بدء التأثير وطريقة الاستخدام وتوقيته.
• وهناك أيضًا أنواع طويلة أو ممتدة المفعول تستخدم للحفاظ على مستوى الإنسولين الأساسي في الجسم لفترات أطول.
ووفق ما أوضحه الصيادلة الذين تم التواصل معهم، فإن بعض أنواع الإنسولين لها بدائل أو منتجات محلية تحمل نفس المادة الفعالة أو تعتمد على نفس النوع العلاجي، بينما بعض أنواع الإنسولين السريعة لا يتوافر لها، في الوقت الحالي، بديل مصري مطابق من نفس النوع.
وهنا يجب التوقف عند نقطة مهمة: وجود إنسولين محلي مثل الـ Regular Human Insulin لا يعني أنه بديل مباشر للأنواع السريعة مثل NovoRapid أو Humalog أو Apidra، لأن الاختلاف لا يقتصر على الاسم التجاري، وإنما يتعلق بسرعة الامتصاص وبدء المفعول ومدة التأثير وطريقة تنظيم الجرعات.
بمعنى أبسط: ليس كل إنسولين بديلًا عن الاخر.
رأي الأطباء: تغيير النوع ليس قرارًا إداريًا
وعند التواصل مع أطباء، كان التأكيد واضحًا على أن تغيير نوع الإنسولين لا ينبغي أن يتم بصورة عشوائية أو لمجرد عدم توافر المنتج المعتاد.
فالانتقال من نوع سريع المفعول إلى نوع آخر يختلف عنه في سرعة التأثير، على سبيل المثال، قد يتطلب إعادة ضبط الجرعات ومواعيد الحقن ومتابعة مستوى السكر بصورة دقيقة، وهو أمر يجب أن يتم من خلال الطبيب المعالج.
والأمر يزداد حساسية في حالات الأطفال، الذين قد يكون نظام علاجهم مضبوطًا بدقة على نوع معين، وفي حالات المرضى الذين يستخدمون أكثر من نوع من الإنسولين في اليوم الواحد.
لذلك فإن السؤال لا يجب أن يكون: هل المحلي جيد أم المستورد أفضل؟
فالإجابة على هذا السؤال لا يمكن اختزالها في هذه الثنائية. فوجود صناعة دوائية محلية قوية، وتوطين صناعة الإنسولين، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، كلها أهداف مهمة بلا شك، وقد تمثل خطوة اقتصادية وصحية مهمة إذا كان المنتج المحلي مطابقًا للمعايير المطلوبة ومناسبًا للحالات التي يستخدم فيها.
لكن السؤال الأهم هو: هل يوجد بديل محلي مناسب لكل مريض ولكل نوع من أنواع الإنسولين التي قد يتأثر استيرادها؟
بين توفير العملة الصعبة وحق المريض في العلاج
من حق الدولة أن تعمل على دعم الصناعة المحلية وتقليل فاتورة الاستيراد والحفاظ على العملة الصعبة، بل إن نجاح مصر في تصنيع أدوية كانت تعتمد عليها بشكل كامل من الخارج هو مكسب حقيقي.
لكن في المقابل، من حق الأسرة أن تعرف بوضوح: ما الأنواع التي سيشملها قرار وقف الاستيراد؟ وما الأنواع التي لا يوجد لها بديل محلي حتى الآن؟ وما مصير المرضى الذين يعتمد علاجهم على هذه الأنواع؟
فإذا كان هناك نوع من الإنسولين لا يُصنع محليًا ولا يتوافر له بديل علاجي مطابق، فهل سيتم استثناؤه من قرار وقف الاستيراد؟
أم سيجد المريض نفسه مضطرًا إلى تغيير نظامه العلاجي، ثم تبدأ الأسرة رحلة جديدة بين الطبيب والصيدلية ومحاولات ضبط الجرعات؟
توطين صناعة الدواء هدف مهم، لكن نجاحه الحقيقي لا يُقاس فقط بما يتم توفيره من العملة الصعبة، وإنما أيضًا بمدى قدرة القرار على حماية المريض وضمان استمرار علاجه دون ارتباك أو نقص أو تحميل الأسرة عبء البحث عن بديل.
فالإنسولين بالنسبة لمريض السكري ليس رفاهية، وليس منتجًا يمكن تأجيل شرائه أو استبداله من تلقاء النفس.
إنه ببساطة مسألة حياة او موت .



