لم يعد دور الجامعات في القرن الحادي والعشرين يقتصر على منح الشهادات أو تخريج الطلاب، بل أصبحت الجامعات الكبرى في العالم مؤسسات تصنع القيادات، وتؤهل الكفاءات، وتربط المعرفة الأكاديمية بالواقع العملي، وهذا ما ذكرته في مقالي السابق حول إدارة الأزمات الإعلامية في الجامعات، والتي أصبحت تعمل باعتبارها شريكا مباشرا في تنفيذ سياسات الدولة وبناء رأس المال البشري، ومن الإنصاف لا المجاملة من يتابع ما تشهده جامعة القاهرة خلال العاميين الماضيين، يدرك أن الجامعة تتحرك وفق هذا النموذج العالمي، وليس وفق المفهوم التقليدي للتعليم الجامعي.
معسكر قادة المستقبل الذي تم تنظيمه لا يمكن النظر إليه باعتباره تجمع طلابي، بل هو رؤية مؤسسية متكاملة تستهدف إعادة تعريف العلاقة بين الطالب والجامعة، وبين التعليم وسوق العمل، وبين المعرفة ومتطلبات الدولة الحديثة، فاختيار موضوعات الذكاء الاصطناعي، والجدارات الوظيفية، والهوية الوطنية، وريادة الأعمال، يؤكد أن هناك إدراكا عميقا للتحولات التي يشهدها العالم، ويؤكد أن إعداد الخريج أصبح يبدأ قبل التخرج بسنوات.
واللافت للنظر أن الجامعة لم تكتفِ بالمحاضرات النظرية، وإنما حرصت على استضافة صناع القرار أنفسهم، فوجود رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة داخل الحرم الجامعي للحديث عن الجدارات والوظيفة العامة لطلاب الجامعة بالتأكيد يحمل رسالة مهمة مفادها أن الدولة تريد تقريب مؤسساتها من الشباب، أؤكد مرة أخرى أن الدولة تريد تقريب مؤسساتها من العنصر الشبابي، وأن الطالب يجب أن يفهم مبكرا كيف يعمل الجهاز الإداري في الدولة، وما هي معايير التوظيف الحديثة، وكيف أصبحت الكفاءة والجدارة أساسا للاختيار والترقي، وأعتقد أن من في جيلي قديما كانوا لا يعرفون ما هو طبيعة عمل جهاز التنظيم والإدارة فضلا عن شخص رئيسة، وهذه فلسفة حقيقية تتوافق مع اتجاهات الإصلاح الإداري التي تبنتها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة.
ولعل التجارب الدولية تؤكد أن الجامعات الأكثر تأثيرا عالميا خلال المتابعة المستمرة في ملف التعليم العالي العالمي والتطوير هي تلك التي نجحت في بناء شراكات مباشرة مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، ففي جامعة سنغافورة الوطنية أصبحت الجامعة بالفعل جزءا من منظومة التخطيط الوطني، حيث تشارك في إعداد غالبية القيادات الحكومية وتطوير السياسات العامة، أما كلية جون كينيدي للإدارة الحكومية بهارفرد هي نموذج عالمي في إعداد القيادات التنفيذية وصناع القرار عبر برامج تجمع بين الدراسة الأكاديمية والخبرة العملية، وفي جامعات الصين حاليا جرى دمج الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال والسياسات العامة في منظومة تعليمية واحدة، لتصبح الجامعة إحدى أهم روافد التحول التكنولوجي في الصين.
هذه النماذج الدولية التي عرضتها تشترك جميعا في فلسفة واحدة، وهي أن الجامعة ليست جزيرة معزولة، وإنما مؤسسة تتفاعل بصورة يومية مع الدولة والمجتمع والاقتصاد، وعندما ننظر إلى ما يحدث داخل جامعة القاهرة التي أصبحت مادة دسمه لي بالتناول سواء بالإشادة أو التعقيب من حين لآخر نجد أن هذه الفلسفة بدأت تتحول إلى ممارسة فعلية، سواء من خلال استضافة الوزراء ورؤساء الهيئات، أو عبر توفير فرص تدريب مدفوعة للطلاب في مجالات الابتكار والذكاء الاصطناعي، أو من خلال الحوار المباشر بين القيادات الجامعية والطلاب حول مستقبل الوظائف وريادة الأعمال.
ومن الإنصاف القول إن جامعة القاهرة أصبحت اليوم – وفق ما يظهر من حجم الفعاليات والمبادرات التي تقودها – الجامعة المصرية الأكثر إصرارا على بناء جسور تواصل مستمرة بين طلابها ومؤسسات الدولة، فالتواصل هنا لم يعد مناسبة بروتوكولية، بل أصبح سياسة عمل واضحة، تتكرر بصورة منتظمة، وتتنوع موضوعاتها بما يخدم إعداد الطالب للحياة المهنية والقيادية.
وفي تقديري جانبا كبيرا من هذا التحول يرتبط بفلسفة الإدارة التي يتبناها الفقيه القانوني الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق، فمنذ توليه رئاسة الجامعة، بدا واضحا أن هناك انتقالا من الإدارة التقليدية التي تركز على تسيير الأعمال، إلى إدارة تسعى إلى صناعة الأفكار، وإطلاق المبادرات، وربط الجامعة مباشرة بقضايا المستقبل، والذكاء الاصطناعي لم يطرح باعتباره شعارا إعلاميا، وإنما أصبح حاضرا في المؤتمرات، والبرامج التدريبية، ومعسكرات إعداد القيادات، والفرص التطبيقية، وحتى في النقاشات المتعلقة بأخلاقيات الاستخدام ومسؤولية التكنولوجيا.
إن التحول الرقمي الحقيقي الذي لا بد أن يعرفه الجميع هو أن لا يبدأ بشراء الأجهزة أو إنشاء المعامل، وإنما يبدأ بتغيير الثقافة المؤسسية، وهذا ما يبدو أن جامعة القاهرة تعمل عليه، إذ أصبح الحديث عن الذكاء الاصطناعي جزءا من الخطاب الجامعي اليومي، وأصبح الطالب يتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها مهارة أساسية، لا إضافة اختيارية.
كما أن الربط بين الهوية الوطنية والذكاء الاصطناعي نقطة تستحق التوقف، فالتجارب الدولية أثبتت أن الدول التي نجحت في الثورة الرقمية لم تتخل عن هويتها الثقافية، وإنما استخدمتها باعتبارها مصدرا للقوة الناعمة والثقة بالنفس، ولذلك فإن الجمع بين الحديث عن الحضارة المصرية والذكاء الاصطناعي داخل معسكر واحد بالتأكيد أنه يعكس فهما متوازنا لطبيعة التنمية الحديثة، التي لا تقوم على التكنولوجيا وحدها، بل على الإنسان القادر على استخدامها في إطار من القيم والانتماء.
وبهذا المعنى، جاءت محاضرة الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، كـ«مسك ختام» يحمل دلالة تتجاوز مضمون المحاضرة نفسها، فبعد أن دار المعسكر حول الذكاء الاصطناعي، والوظائف المستقبلية، والجدارات، والهوية الوطنية، جاءت الرسالة الأخيرة لتضع الإنسان وقيمه في قلب كل هذا التحول، فالمعركة الحقيقية في عصر وفرة المعلومات ليست مع نقص المعرفة، وإنما مع القدرة على التمييز بين الصحيح والزائف، وتحويل المعرفة إلى قيمة، والتكنولوجيا إلى أداة للبناء لا للهدم.
وهذه الرؤية تكتسب أهمية خاصة في ظل تصاعد تأثير منصات التواصل والمحتوى الرقمي في تشكيل وعي الشباب؛ ولذلك كان تأكيد المفتي أن الأخلاق تسبق المهارات، وأن القيادة لا تبنى بالمنصب أو القدرة على الحديث، وإنما بالعلم والمسؤولية والوعي والقدرة على اتخاذ القرار، خاتمة منطقية لمعسكر حاول أن يجمع بين مهارات المستقبل وبناء الإنسان القادر على استخدامها بصورة مسؤولة، ومع هذه المحاضرة، بدا واضحًا أن فلسفة المعسكر لم تكن إعداد طالب يجيد التعامل مع الذكاء الاصطناعي فحسب، وإنما إعداد شخصية تمتلك العلم والمهارة والهوية والقيم، وهي المعادلة التي تمنح أي مشروع لإعداد قادة المستقبل قيمته الحقيقية.
ويبقى أن الجامعات الكبرى تقاس بقدرتها على استشراف المستقبل قبل أن يفرض نفسه، واليوم، يبدو أن جامعة القاهرة تحاول الانتقال من مرحلة تخريج الطلاب إلى مرحلة صناعة القيادات، ومن التعليم التقليدي إلى التعليم المرتبط بالاقتصاد الرقمي، ومن القاعات الدراسية المغلقة إلى الانفتاح على مؤسسات الدولة وخبرائها.
إن بناء الجمهورية الجديدة التي سعي إليها الرئيس عبدالفتاح السيسي يحتاج إلى جامعات تفكر بهذه الطريقة، وإلى إدارات تمتلك الشجاعة لتغيير النمط التقليدي للعمل الجامعي، وإذا استمرت جامعة القاهرة في هذا المسار، مع تطويره بصورة مستمرة وقياس أثره على مخرجات التعليم وسوق العمل، فإنها ستكون قد رسخت نموذجا مصريا جديرا بالدراسة، يقترب في فلسفته من أفضل التجارب الجامعية العالمية، ويؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ دائما من الإنسان، ثم الإنسان ثم الإنسان، وأن الجامعة التي تواكب المستقبل هي الجامعة التي تصنعه.








