حبال الود بين الأشقاء لا تنقطع أبدأ ولا يمكن لسيوف الزمن مهما طالت او قصرت قطعها بسهولة، فهي علاقة ممتدة بين الأشقاء، تجمعهم لغة واحدة وثقافة عربية إسلامية متجزرة.
أدت تطورات الأحداث في المنطقة والحرب الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية إلى تصدعات وتشققات في بنية الجسد العربي تحتاج إلى تشخيص دقيق يقف عند الاسباب التي ادت الى التصدع في العلاقات العربية العربية، تلك التطورات اخذت في التباعد تدريجيا بين الأشقاء العرب مما ينذر بأزمة حادة غير مسبوقة هي الأسوأ منذ عقود لا يمكن معالجتها في الأجل المنظور.
ما نشاهده الان بين الأشقاء العرب جاء كرد فعل دالا على أن هناك تراكمات ورواسب غير معروفة تتطلب تصفية واحتواء رشيد، لا أدري لماذا خرجت دولة الإمارات العربية من منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك"؟ وما اسباب الهجوم غير المبرر على الشقيقة الكبري مصر؟
خروج الأمارات من "أوبك" ما هو إلا انفجار في قلب مجلس التعاون الخليجي ويعد عصيانا على الدور الإقليمي للمملكة العربية السعودية التي ظلت لعقود طويلة متحكمة ومسيطرة على انتاج النفط الأمر الذي زاد من نفوذها السياسي، كقوي إقليمية في المنطقة، فالموقف الإماراتي للخروج من "أوبك" و"أوبك بلس" يتيح لها التحلل من أي التزامات او قيود كانت إقليمية أو عربية، وبالتالي تضع مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية على المحك مما يهدد تماسك وحدتهم.
تحالف مضيق هرمز
نحن أمام مرحلة شديدة السوء، في العلاقات العربية العربية وهذا راجع إلى عدم وجود "حكيم" في العالم العربي يبادر إلى إطفاء الحرائق وكبح جماح الانفعالات غير المسؤولة التي أفسدت أجواء العلاقة بين الاشقاء وتناثر رذاذها في الفضاء العربي، فالشرق الاوسط يسير، حاليا في طريق توازنات متغيرة، حيث ثمة تحالفات غير عربية بدأت ملامحها تلوح في الأفق باقتراح تقدمت به سلطنة عمان ولم تعارضه طهران.
بإنشاء "تحالف مضيق هرمز" يضم المملكة العربية السعودية، كما توقعت شبكة "بلومبيرج": بان قرار أبوظبي مغادرة منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك" قد يساعد في ترسيخ تحالفات إقليمية ناشئة فثمة تحالف تقوده السعودية ويضم كلا من مصر وباكستان وتركيا، وتحالف أخر يضم دول الإمارات وإسرائيل والهند، لذلك فإن هذه التحالفات لا تقوم على أساس الهوية العربية.
لم يكن خبر خروج دولة الأمارات من منظمة البلدان المصدرة للنفط " أوبك" الأول ولا الأخير في سلسلة تشققات الصف العربي بل سبقه هجوم غير مبرر من صحافيين وإعلاميين ومسؤولين سابقون في الخليج علي مصر علي خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية علي الجمهورية الإيرانية والهجمات التي شنتها إيران علي منشآت في دول الخليج، والدور السلبي الذي قامت به وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي والذي أسهمت إلي حد كبير في تأجيج المشاعر وإثارة الفتنة بين ابناء اللغة والثقافة والحضارة العربية، الأمر الذي دفع بوزير الإعلام المصري الكاتب الصحفي ضياء رشوان ببيان مقتضب بوقف المشاحنات وإثارة الفتن بين الأشقاء وحظر اي منشورات تسيء لدول الخليج.
لم أفهم سر التدهور السريع وأسباب الشرخ الحاصل في العلاقة بين الأشقاء العرب، لكنني من خلال متابعتي لما نشر علي منصات التواصل الاجتماعي من عتاب لبعض الأشقاء، على موقف الشقيقة الكبرى من الهجمات الإيرانية على بعض المنشآت في دول الخليج، فموقف مصر من هذه الهجمات كان واضحا وقاطعا منذ اللحظة الاولى وهو تضامنها مع دول الخليج الشقيقة وإدانة الهجمات الإيرانية واعتبار أن الأمن القومي العربي خط أحمر.
لكن ما لفت انتباهي هو مطالبة هؤلاء، الأشقاء بمشاركة مصر في هذه الحرب، فمصر لم تبخل في تقديم العون والمساعدة للأشقاء في الخليج فقد قدمت الكثير من تضحيات اثناء حرب الخليج وتحرير الكويت في العام 1991 ويتواصل الدعم والمساعدة اليوم في ذروة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث تساند مصر دول الخليج بتقديم كافة أنواع الدعم ولم تبخل في يوم من الأيام بمساندة الاشقاء، في أحلك الظروف.
حين يطالب البعض بمشاركة مصر في حرب تدرك مدي خطورتها مستقبلا على المنطقة، فمصر كما دول الخليج لم تشارك في حرب يريد البعض جرها إليها، إذا كانت بعض الاقلام الخليجية أكدت مرارا علي ان دول الخليج لا ناقة لها ولا جمل من جراء هذا الصراع، نقول ايضا ان مصر لا ناقة لها ولا جمل من وراء هذه الحرب الأمريكية الاسرائيلية علي ايران، ما غاب عن الأشقاء في الخليج أن مصر تعاني من مشاكل وأزمات اقتصادية كبيرة وان إغلاق مضيق باب المندب اثر بشكل سلبي على الاقتصاد، حيث خسرت مصر نحو 10مليارات دولار بسبب الهجمات على السفن في باب المندب.
تضاعف الحيرة والدهشة حين نلاحظ ان من يشككون في الموقف المصري تجاه دول الخليج تناسوا أن مصر تقدمت باقتراح طرحته القيادة المصرية في القمة العربية في الدوحة عام 2015 لتشكيل قوة دفاعية إقليمية بموجب معاهدة الدفاع والتعاون الاقتصادي المشترك لعام 1950، بهدف إنشاء تحالف للردع السريع لحماية الدول الأعضاء من التهديدات الخارجية، وجدد وزير الخارجية السيد بدر عبد العاطي التأكيد علي الاقتراح بتشكيل قوة دفاع عربي مشترك خلال زيارته مؤخرا للعواصم العربية.
لكن هذا الاقتراح المصري قوبل بالرفض من قبل الأشقاء العرب في الخليج ولم أفهم سر هذا الرفض وما دار من خلفيات في الغرف المغلقة داخل القصور، لكنني وجدت صحافيين وكتاب خليجيين يبررون رفض الاقتراح المصري بتشكيل قوة دفاع عربي مشترك، فنظرت الي هذه المبررات وجدتها لا تستند إلي حقائق ووقائع، فمثلا الكاتب السعودي، الدكتور خالد بن نايف الهباس في مقال بصحيفة "الشرق الاوسط اللندنية" راي أن فرص نجاح هذه القوة شبه مستحيلة، مؤكدا بأن القاهرة لها قراءة استراتيجية مختلفة حيال إيران، حيث إنها لا تغفل الخطر الإيراني، لكنها لا تراه موازياً في خطورته للدور الإقليمي التركي - حتى وقت قريب - أو سد النهضة أو الدور الإسرائيلي التوسعي في المنطقة...إلخ.
بينما لدول الخليج وجهة نظر مختلفة حيال إيران؛ لأنها عانت طويلاً من سياسات إيران العبثية في المنطقة، بما في ذلك سياسة الميليشيات التي أدخلت بعض الدول العربية في دوامة عدم الاستقرار، فبحسب الكاتب السعودي إن مقترح القوة العربية المشتركة يلفه بعض الصعوبات من الناحية العملية، متسائلا هل القوة تستطيع تلبية الاحتياجات الأمنية للصومال، أو السودان، أو ليبيا، أو اليمن، أو مصر بخصوص سد النهضة، أو فلسطين، أو سوريا، أو العراق، أو التدخلات الإيرانية في شؤون المنطقة... الخ؟ يبدو في الأمر صعوبة بالغة، وتظل «التحالفات المتخصصة» أكثر فاعلية وأوفر حظاً للنجاح بما يتناسب مع طبيعة كل تهديد أنشئت من أجله.
أتفهم مخاوف الأخوة في الخليج من التمدد الإيراني ومن المشروع الشيعي الطائفي، لكن في نفس الوقت غاب عن حسابات الأشقاء المشروع الإسرائيلي التوسعي واحتلالها للأرض العربية ورفضها قيام دولة فلسطينية، فالمسيحية الصهيونية واليهودية الصهيونية هي من تحرك اسرائيل وامريكا وتحمل عداءً قديما متجددا للامة العربية والإسلامية، كما غاب عن الأشقاء ان القواعد الأمريكية الموجودة في مدن وعواصم الخليج فشلت في التصدي للهجمات الإيرانية وان وجودها مجرد ديكور لاستنزاف الأموال.
تدرك القاهرة خطورة المشهد الراهن واستمرار المواجهة مع إيران، حيث تنظر الي طهران باعتبارها منافس إقليمي يتعين ترويضه حتي تتجنب السقوط في السيناريو العراقي كما حدث في العام 2003 من انهيار الدولة العراقية ووقوعها في يد المليشيات الطائفية وهو ما نشاهده حاليا، لذلك تري مصر إن انهيار الدولة المركزية في طهران قد يخلق فراغاً أمنياً كبيرا تملؤه المليشيات المسلحة التي لا تخضع لسيطرة القانون، مما سيكون له الأثر البالغ علي الملاحة في البحر الأحمر، لذلك قامت القاهرة من منطلق المسؤولية بممارسة ضغوط كبيرة هادئة وفعالة عبر قنواتها الدبلوماسية الدولية لضمان عدم تجاوز طهران لـ "الخطوط الحمراء" في الخليج، باعتبار امن الخليج من أولويات الأمن القومي المصري.
علي اي حال ترى القاهرة ان هزيمة إيران لن تُسدل الستار على هذه الحرب بشكل نهائي، لكنها قد تفتح فصلاً يجعل المشهد الإقليمي أكثر ضبابيا وتعقيدا لان سقوط النظام في إيران سيُعيد رسم خريطة جديدة للنفوذ في المنطقة، كما يطرح تساؤلات جدية متعلقة بطبيعة الفراغ الذي سيخلفه هذا السقوط، ومن يملكه، وكيف سيُوظَّف؟
ليعلم الجميع في منطقتنا العربية ان مصر لعبَت دوراً محوريا مهما كان عنوانُه ترتيب أوضاعِ دول المنطقة حيث حاولت إعادة بناء علاقات قوية بين الأشقاء، علي أساس المصالح العليا، كما تصدت لمحاولات فرض 3مشاريع غربية دار محتواها حول إثارة الصراع الإقليمي، ففي فترة متقاربة، دفعت واشنطن بمشروع المظلة الدفاعية للشرق الأوسط المعروف بـ "الناتو العربي في العام 2017"، وهذا المشروع تم إعداده في فترة الخمسينيات من القرن المنصرم ويهدف إلي دمج إسرائيل في الأنساق العسكرية للدول العربية.
وكان الغرض من إعادة طرحه المواجهة الأميركية مع إيران، وهو ما نشاهده الان من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وخلال الفترة الرئاسية الاولي لـ الرئيس "ترمب" طرحت المبادرة الأميركية للسلام في يناير من العام 2020، حيث تقوم المبادرة على فرض مشاريع التطبيع متجاوزة قضايا الحل النهائي لقضية العرب الأولى القضية الفلسطينية، وقد شكلت قبول بعض دول المنطقة له تحديا للأمن الإقليمي.
خاصة مع طرح مشروع أخر حول ما يسمي بالإبراهيمية وهذا المشروع الهلامي طرح كمبادئ للتعايش أو التداخل الديني، لكنه قوبل بمعارضة من جانب مصر باعتباره تخليا عن شروط اتفاق السلام العادل، هذا الموقف المصري تبنته ايضا المملكة السعودية خوفا من تأثيره على السلام والأمن الإقليمي وايضا خوفا من تأجيج مشاعر المسلمين فيما يخص الثوابت التي قام عليها الدين الإسلامي.
نفوذ القوى الغربية
تحتاج العلاقات العربية الي ترميم بعد تشققات وتصدعات طالت بنيته، كما تحتاج الي المصارحة والمكاشفة ووضع حلول جذرية للقضايا الخلافية، لم أقتنع بأن الوقائع ــ أو المزاعم ــ التي ذكرت من قبل البعض في الخليج ووصلت الأمور فيما وصلت إليه، بحيث ظل العالم العربي خلال الأيام القليلة الماضية مسرحا لتجاذبات وتراشقات قدمت نموذجا محزنا لما يمكن أن نسميه «صراع الفضائيات»، ورغم أنني شاهد لم يفهم شيئا من خلفيات الحاصل هذه الأيام في منطقة الخليج، فإنني لدي ملاحظات أوجزها فيما يلي:
إن الاختلاف في المواقف والسياسات والأمزجة أمور طبيعية وصحية لا غضاضة فيها، فليس بوسع أي طرف في المنطقة أن يطالب الآخرين بالتطابق مع وجهة نظره في كل امر من الامور، لكنني هنا اقف عند نقطة أن هناك ثمة حدودا للاختلاف، وأن «المصالح العليا» ينبغي التوافق عليها، مع الوضع في الاعتبار بأن التراشق العلني عبر وسائل التواصل من شأنه ان يحرج الجميع ويقطتع الأواصر التي يتعين الحفاظ عليها باعتبارها ضرورات لحماية تلك المصالح، خاصة أن ثمة قنوات دبلوماسية تقوم بدور مهم في احتواء الخلافات من وظائفها الأساسية.
أتفهم أنه عندما تظهر في بعض منصات التواصل الاجتماعي منشورات مسيئة منسوبة إلى مواطنين خليجيين او مصريين أمرا ليس جديدا ويأتي من باب عدم الادراك للحقائق والوقائع على الأرض، لكن عندما تصدر هذه المنشورات من اعلاميين وكتاب ومسؤولين سابقون فهذا امر ينبغي التوقف عنده لان استمرار هذه المنشورات يزيد من الفجوة ويزيد من حالة الاستقطاب في الشارع العربي.
المشهد الراهن يحتم البحث عن تسوية لفض النزاعات في الإقليم والعمل على سد الثغرات أمام نفوذ القوى الغربية، وتقليل فرص الاعتماد المتبادل، فقد تكون التقاربات والمصالحات الإقليمية كافية في مرحلة ما، إلا إنها قد لا تناسب مرحلة أخرى، ومن هنا فالانتقال من التوتر أو تجنب ما يؤدي إليه السلام البارد هو إنجاز مهم، لكنه لا يكافئ التقلبات في النظام الدولي وظهور تحديات جديدة كالأزمة الجارية في السودان والصومال، ومن هنا يتعين التقدم نحو إطار منظم يحفظ المصالح المشتركة ويمكنه تنظيم وترتيب ثورة المصالحات الإقليمية، فنحن نحتاج إلى إطار سياسي لتنظيم تلك العلاقات، وهذا التوجه لا بد أن يقود لتنسيق العلاقات ما بين عدة منظمات إقليمية كالجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، فنحن في انتظار مبادرات إطفاء الحرائق المشتعلة بين الأشقاء.
- إيراني
- الحرب الأمريكية الإسرائيلية
- العلاقات العربية
- العرب
- الإمارات العربية
- أوبك
- مصر
- مجلس التعاون الخليجي
- السعودية
- النفط
- الجامعة العربية
- العالم العربي
- الشرق الاوسط
- عمان
- طهران
- بلومبيرج
- أبوظبي
- مضيق هرمز
- تحالف مضيق هرمز
- باكستان
- تركيا
- إسرائيل
- الهند
- الهوية العربية
- وسائل الإعلام
- التواصل الاجتماعي
- ضياء رشوان
- الامن القومي العربي
- حرب الخليج
- تحرير الكويت
- أزمات اقتصادية
- مضيق باب المندب
- القمة العربية
- التعاون الاقتصادي
- بدر عبد العاطي
- خالد بن نايف الهباس
- سد النهضة
- السودان
- فلسطين
- سوريا
- العراق
- المسيحية الصهيونية
- اليهودية الصهيونية
- أمريكا
- القواعد الأمريكية
- المليشيات الطائفية
- الناتو العربي
- واشنطن
- ترمب
- القضية الفلسطينية
- الابراهيمية
- الصفحة الأولى
- موقع الصفحة الأولى






