و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

تم تشيده خلال نصف قرن

قصة العمارة العثمانية فى مساجد بمصر من سارية الجبل الى الرحمن شبرا

موقع الصفحة الأولى

 بعد رحلة استمرت قرابة النصف قرن، افتتح مسجد الرحمن أبوابه للمصلين في قلب حي شبرا العريق بالقاهرة، ليصبح من أحدث المساجد التي أعادت إحياء الطراز العثماني في عمارة المساجد، حيث كانت تلك الفترة لها بصمة واضحة في تخطيط المساجد في مصر، فالمسجد الذي يلفت الأنظار بتصميمه المعماري وقبابه المتدرجة ومآذنه الأربع، تعود جذور فكرة بنائه إلى الداعية الراحل حافظ سلامة، الذي أنبهر خلال زيارته إلى مدينة اسطنبول بعظمة عمارة مسجد " آيا صوفيا"، ومن هناك بدأت الفكرة حيث سعى إلى نقل هذا الطراز إلى القاهرة، فحصل على التصميمات المعمارية، وعاد بها إلى مصر لعرضها على أحد المكاتب الاستشارية المتخصصة لوضع تصور نهائي للمسجد. 
في عام 1977 جرى تخصيص قطعة الأرض التي سيقام عليها مسجد الرحمن، قبل أن يضع الداعية الراحل سلامة حجر الأساس للمسجد عام 1980، واضعًا تصورًا لمجمع ديني لا يقتصر دوره على أداء الصلوات، بل يكون منارة للعلم والدعوة، وقد تبنت المشروع آنذاك جمعية " الهدايا الإسلامية " ليكون مركزًا لنشر الفكر الوسطي، إلا أن رحلة البناء امتدت لعقود طويلة اعتمدت على التبرعات والجهود الاتية، ومع مرور السنوات ورحيل سلامة في عام 2021، استمر العمل بالمشروع حتى انتقلت تبعيته إلى الأزهر الشريف ليصبح أحد الأروقة الأزهرية التي تُدرس المنهج الوسطي. 

القبة والمآذن 

وعند الوقوف أمام المسجد يبرز التشابه بالمدرسة العثمانية في تصميمه من خلال عدد من العناصر المعمارية التي ميزت تلك الفترة، ومنها الأربع مآذن الذي يصل ارتفاع كل منها إلى نحو 110 أمتار، لتشكل حضورًا بصريًا لافتًا في سماء القاهرة، وأيضًا القباب الموجودة فوق قاعة الصلاة الرئيسية، والتي تمنح المبنى طابعًا مهيبًا يعكس روح العمارة الإسلامية في فترة ازدهارها، وتتمثل مساحة المسجد في 4000 متر مربع ويتسع لنحو 15 ألف مصلٍ، كما يضم مصلى مخصصًا للسيدات ومشربيات علوية. 
ويظهر الاختلاف الأساسي بين مسجد الرحمن ومساجد العثمانية التاريخية في مصر في أن المسجد يوظف هذه العناصر ضمن إطار معماري معاصر يتناغم مع الأحياء السكنية الحديثة، على عكس المساجد التاريخية التي كانت غالبًا جزءًا من مجتمعات دينية تضم مدارس، بما يعكس خصوصية القاهرة القديمة وطابعها المجتمعي والزمني.

مسجد "سارية الجبل"    

فساعد دخول العثمانيين إلى مصر عام 1517 على وجود نمطا معماريًا جديدًا في بناء المساجد، فكان مسجد " سليمان باشا " المعروف بإسم مسجد " سارية الجبل" بقلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة هو أول مسجد عثماني أنشئ في مصر.
ويُعد هذا المسجد من أبرز المعالم التي تجسد بداية ظهور الطراز العثماني في عمارة المساجد في مصر بعد نهاية حكم المماليك، ورغم أن المسجد شُيد وفق التخطيط العثماني، فإن عناصر من العمارة المملوكة لا تزال حاضرة في تفاصيله، خاصة في نسب المآذن، زخارف الرخام، والكتابات الكوفية اتي تُزين جدرانه، ما يمنحه طابعًا معماريًا فريدًا بين تأثيرات مرحلتين مهمتين في تاريخ العمارة الإسلامية. 
وعلى الرغم من ذلك ظهر في بناء المسجد الطراز المعماري العثماني، فيتألق المسجد بثلاث وجهات معمارية، أبرزها الواجهة الرئيسية في الجهة الجنوبية الغربية، كما أنه المسجد من الداخل ينقسم إلى قسمين: القسم الشمالي وهو صحن مكشوف تحيط به أربعة أروقة مغطاة بقباب ضحلة، بينما القسم الجنوبي يضم بيت الصلاة الذي تعلوه قبة حجرية مزخرفة بزخارف هندسية ونباتية وكتابية، ولأول مرة في المساجد العثمانية يظهر الطراز العثماني للمآذن، حيث صممت قمته بشكل مخروط يشبه القلم الرصاص ومغطى ببلاطات زخرفية.
أما الجزء المسقوف فيتوسطه قبة محاطة بأنصاف قباب مزينة بنقوش ملونة وكتابات إسلامية بينما يكسو أسفل الحوائط وزر من الرخام، يتوج بطراز مكتوب بالخط الكوفي المزهر يحتوي آيات قرآنية.
ويوجد في الجدار الشرقي محراب من الرخام، وللمسجد منبرًا من الرخام الأبيض مزخرفًا بنقوش محفورة، بينما يوجد بالجدار الغربي باب يؤدي إلى صحن مكشوف فرشت أرضيته بالرخام الملون، تحيط به أربعة أروقة مغطاة بقباب محمولة على عقود تستند إلى أكتاف، ويكسو حائط الرواق الشرقي الرخام الملون، وقد الحق بالصحن من الجهة الغربية قبة صغيرة تضم عدة قبور مزينة بتراكيب رخامية وشواهد تنتهي بأغطية رأس تعكس الطراز السائد في العصر ذاته.
وتكسو جميع قباب المسجد بلاطات القيشاني الأخضر، بينما المنارة أسطوانية ذات تضليع ودورتين بارزتين، وتنتهي بمخروط مغطى بالقيشاني الأخضر، وهو الطراز الذي ساد في المآذن العثمانية خلال تلك الحقبة.
وجدير بالذكر أن مسجد الرحمن يُعد معلمًا معماريًا جديدًا إلى خريطة المساجد الحديثة، ولكنه يعيد في نفس الوقت تسليط الضوء على مرحلة مهمة من تاريخ العمارة الإسلامية في مصر، حين حمل العثمانيون إلى القاهرة طرازًا معماريًا ظل حاضرًا في مساجدها حتى اليوم، وليشهد على قدرة العمارة الإسلامية على المزج بين التراث والحداثة، لتبقى المساجد في قلب المدينة منارة للعبادة والثقافة والدعوة.

تم نسخ الرابط