و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

في عالم أصبحت فيه السياحة جزءًا من قوة الدول الناعمة لم تعد الزيارات الرسمية مجرد لقاءات وبروتوكولات وصور تذكارية تنتهي بانتهاء مراسمها، فأحيانًا تحمل الزيارة السياسية في تفاصيلها فرصة تتجاوز حدود السياسة لتصل إلى الثقافة والإعلام والسياحة وصناعة الصورة الذهنية للدولة ومن هنا يمكن النظر إلى زيارة الرئيس الصيني لمصر باعتبارها لحظة تحمل في داخلها فرصة سياحية تستحق أن نستثمرها جيدًا.
وجود الرئيس الصيني داخل المتحف المصري الكبير ليس مجرد محطة في برنامج زيارة رسمية وإنما هو مشهد يحمل قيمة رمزية وإعلامية كبيرة فالمتحف أصبح واحدًا من أهم الوجوه التي يمكن لمصر أن تقدم من خلالها حضارتها للعالم وعندما يقف رئيس دولة بحجم الصين داخل هذا المكان فإن المشهد لا يبقى داخل جدران المتحف، بل تنتقل صوره إلى وسائل الإعلام والمنصات الرقمية وملايين الشاشات وهنا تبدأ أهمية ما يعرف في التسويق الحديث بـ اقتصاد الانتباه.

اقتصاد الانتباه والسياحة

اقتصاد الانتباه يقوم على فكرة بسيطة لكنها شديدة الأهمية، وهي أن انتباه الإنسان أصبح موردًا نادرًا في عالم يمتلئ بالمعلومات والصور والإعلانات، ولذلك لم تعد المنافسة السياحية قائمة فقط على من يمتلك المقومات الأفضل وإنما أصبحت أيضًا على من يستطيع أن يجذب انتباه السائح ويحافظ عليه ويترك في ذهنه صورة لا ينساها.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى زيارة الرئيس الصيني للمتحف المصري الكبير باعتبارها لحظة من لحظات اقتصاد الانتباه، فالمشهد الذي يجمع الرئيس الصيني بالحضارة المصرية لديه قدرة طبيعية على جذب الانتباه، ليس فقط لأنه مشهد سياسي وإنما لأنه يجمع بين شخص تحظى زيارته باهتمام عالمي ومكان يمثل واحدة من أعظم الحضارات في التاريخ.

وهنا تظهر قيمة اقتصاد الانتباه في التسويق السياحي، فبدلًا من أن تدفع مصر برسالة إعلانية تقول إن لديها متحفًا عظيمًا وحضارة عمرها آلاف السنين تأتي الصورة نفسها لتقول ذلك بطريقة أكثر تأثيرًا، صورة رئيس الصين داخل المتحف المصري الكبير يمكن أن تجعل شخصًا في الصين يتوقف أمامها ويسأل عن المكان ثم يبحث عن المتحف ثم يتعرف على الحضارة المصرية وربما يبدأ في التفكير في زيارتها.
وهنا يتحول اقتصاد الانتباه من مجرد مفهوم تسويقي إلى مسار يمكن أن يقود إلى حركة سياحية حقيقية، فالانتباه يولد الفضول والفضول يدفع إلى البحث والبحث قد يصنع الرغبة والرغبة قد تتحول في النهاية إلى قرار بالسفر.
وهذه هي الفكرة الأساسية في اقتصاد الانتباه، أن اللحظة التي تنجح في جذب عين الإنسان يمكن أن تكون بداية لعلاقة طويلة معه إذا عرفنا كيف نستثمرها.
والمتحف المصري الكبير نفسه يمثل نموذجًا مناسبًا لهذه الفكرة، لأن تجربة زيارة المتحف لم تعد تعتمد فقط على رؤية القطعة الأثرية وقراءة المعلومات بجوارها وإنما أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على طريقة تقديم القصة للزائر، فالتقنيات الحديثة ووسائل العرض التفاعلية والواقع الافتراضي يمكن أن تجعل السائح أكثر ارتباطًا بما يراه وتساعده على تخيل الماضي بصورة أقرب ليصبح الأثر بداية لحكاية وليس مجرد قطعة يشاهدها ثم يغادر.
وهذا مهم جدًا في اقتصاد الانتباه، لأن السائح لا يبحث فقط عن معلومة وإنما يبحث عن تجربة تترك أثرًا في ذاكرته وكلما كانت التجربة أكثر تأثيرًا زادت احتمالية أن يتحدث عنها ويشاركها مع الآخرين وبذلك ينتقل اقتصاد الانتباه من مرحلة جذب السائح إلى مرحلة جعل السائح نفسه جزءًا من عملية الترويج للمقصد.
والسوق الصيني تحديدًا يستحق أن ننظر إليه من هذه الزاوية، فالصين من أكبر الأسواق السياحية في العالم وهناك اهتمام واضح بالحضارة المصرية، ولعل النجاح الكبير لمعرض «قمة الهرم.. حضارة مصر القديمة» الذي أقيم في متحف شنغهاي واستقبل نحو 2.7 مليون زائر يؤكد أن الحضارة المصرية قادرة على جذب الانتباه داخل السوق الصيني.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس هل يهتم الصينيون بالحضارة المصرية وإنما كيف نحول هذا الاهتمام إلى رغبة في زيارة مصر، وهنا مرة أخرى يظهر اقتصاد الانتباه، فالحضارة موجودة في الكتب والأفلام والمعارض والصور لكن الهدف هو أن تتحول هذه المعرفة إلى تجربة حقيقية يعيشها السائح في مصر.
ومن الممكن أن تكون زيارة الرئيس الصيني للمتحف المصري الكبير واحدة من اللحظات التي تساعد على ذلك، لأن الصورة التي سيشاهدها المواطن الصيني ليست صورة دعائية تقليدية وإنما صورة مرتبطة برئيس بلاده وهو يقف أمام حضارة يعرفها ويقدرها وهذا يمنح الصورة قوة إضافية في جذب الانتباه وبناء الفضول.
وهنا يمكن لمصر أن تستثمر اقتصاد الانتباه بطريقة أوسع فلا تتوقف عند صورة الزيارة وإنما تربطها بقصة كاملة عن مصر، تبدأ من المتحف المصري الكبير وتمتد إلى الأهرامات وسقارة والأقصر وأسوان والنيل وتجارب الضيافة والطعام والثقافة، بحيث تتحول الصورة الأولى إلى مدخل لاكتشاف الوجه الكامل للمقصد المصري.
فالهدف من اقتصاد الانتباه ليس أن نجذب عين السائح للحظة ثم نفقدها، وإنما أن نحول هذه اللحظة إلى اهتمام مستمرثم إلى رغبة في المعرفة ثم إلى رغبة في الزيارة.
وهنا تظهر أهمية أن تتعامل السياحة المصرية مع الأحداث الكبرى باعتبارها فرصًا لصناعة المحتوى وليس فقط أخبارًا تنتهي بانتهاء الحدث، فزيارة الرئيس الصيني يمكن أن تكون خبرًا سياسيًا في وسائل الإعلام لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تتحول إلى قصة سياحية تعيد تقديم مصر للجمهور الصيني من زاوية مختلفة.
وتزداد أهمية هذه الفرصة في ظل النمو الذي تشهده السياحة المصرية فقد استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح خلال عام 2025 بزيادة بلغت 21% مقارنة بعام 2024، وهو ما يمنح مصر فرصة أكبر للتوسع في الأسواق الواعدة وتنويع مصادر الحركة السياحية والسوق الصيني يمكن أن يكون واحدًا من الأسواق التي تستحق مزيدًا من الاهتمام خلال المرحلة المقبلة.
كما أن زيادة الحركة السياحية الصينية لا تعني فقط زيادة أعداد الزائرين، وإنما يمكن أن تنعكس على قطاعات عديدة مرتبطة بالسياحة من الطيران والفنادق وشركات السياحة والمطاعم والنقل والخدمات المختلفة، وبالتالي فإن استثمار اقتصاد الانتباه في السوق الصيني يمكن أن تكون له نتائج تتجاوز حدود الترويج إلى دعم النشاط السياحي والاقتصادي بصورة أوسع.
لكن الأهم من كل ذلك هو ألا تنتهي القصة بانتهاء الزيارة، فالرئيس الصيني سيغادر مصر وتنتهي مراسم الزيارة بينما يمكن للصورة أن تستمر، ويمكن لمصر أن تجعل من هذه الصورة بداية لحكاية جديدة، لأن اقتصاد الانتباه لا يهتم فقط باللحظة التي تجذب العين وإنما بما يحدث بعد أن تجذبها.
إذا نجحنا في تحويل صورة الرئيس الصيني داخل المتحف المصري الكبير إلى محتوى مستمر يعرّف الجمهور الصيني بالمتحف والحضارة والأهرامات والأقصر وأسوان والنيل والضيافة المصرية، فإننا نكون قد انتقلنا من مجرد الحصول على الانتباه إلى استثماره.
وهنا تحديدًا تصبح الزيارة السياسية فرصة سياحية حقيقية، وتصبح الثقافة قوة ناعمة، ويصبح المتحف مساحة للتواصل بين الشعوب ويصبح اقتصاد الانتباه واحدًا من الأدوات التي يمكن أن تساعد مصر على تحويل صورة عابرة إلى اهتمام طويل المدى.
فالسائح اليوم قد يبدأ رحلته من صورة وقد تكون الصورة التي يراها أمامه على شاشة الهاتف أهم من أي إعلان تقليدي وإذا كانت الصورة تحمل قصة حقيقية ومكانًا حقيقيًا وتجربة تستحق أن تعاش فإنها يمكن أن تكون الخطوة الأولى نحو السفر.
ومصر لديها ما يكفي من القصص التي تستحق الانتباه، من حضارة عمرها آلاف السنين إلى متحف مصري كبير يقدم هذه الحضارة للعالم بصورة جديدة ومن الأهرامات إلى النيل ومن الأقصر إلى أسوان، وكل ما نحتاجه هو أن نعرف كيف نحول هذا الرصيد الحضاري إلى حضور مستمر في عقل السائح.
وهنا يمكن أن نفهم المعنى الحقيقي لاقتصاد الانتباه في السياحة، فالمنافسة لم تعد فقط على من يمتلك المكان الأجمل وإنما على من يستطيع أن يجعل العالم يتوقف أمام هذا المكان ويتذكره ثم يرغب في زيارته, وربما تكون زيارة الرئيس الصيني للمتحف المصري الكبير واحدة من تلك اللحظات التي تمنح مصر انتباهًا عالميًا جاهزًا، ويبقى التحدي الحقيقي هو كيف نستثمر هذا الانتباه ونحوله إلى رغبة في اكتشاف مصر عن قرب.
فقد تبدأ الحكاية بصورة للرئيس الصيني يقف أمام آثار الفراعنة، لكنها يمكن أن تنتهي بسائح صيني يقف بنفسه أمام الحضارة التي شاهدها ذات يوم على شاشة هاتفه.
وهنا بالفعل تتحول السياسة إلى فرصة سياحية

تم نسخ الرابط