ما الأجر الذي يكفي الأسرة بـ2026 ؟
دراسة اقتصادية تكشف : الحد الأدنى للأجور يكفي ربع الاحتياجات فقط لاغير
لم يعد السؤال عن مستوى الأجور في مصر مرتبطاً فقط بحجم الدخل الشهري الذي يحصل عليه المواطن، وإنما أصبح أكثر ارتباطاً بقدرته الفعلية على مواجهة تكاليف المعيشة وتوفير احتياجات أسرته الأساسية، في ظل موجات متتالية من ارتفاع الأسعار.
وكشفت دراسة حديثة أعدها مركز «المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية» بعنوان «الأجر المعيشي في مصر»، أن الدخول التي تقترب من الحد الأدنى للأجور تظل شديدة التأثر بأي زيادات جديدة في أسعار السلع والخدمات، مشيرة إلى أن مفهوم «الأجر المعيشي» يجب أن يتجاوز مجرد توفير الاحتياجات الأساسية، ليشمل وجود هامش مناسب لمواجهة الطوارئ والادخار.
ورسمت الدراسة خريطة لمستويات صافي الدخل الشهري للفرد خلال عام 2026، وفقاً للقدرة المعيشية، حيث اعتبرت أن الدخل الذي يقل عن 8 آلاف جنيه شهرياً يضع صاحبه في مستوى «شديد الصعوبة»، بينما يوفر الدخل بين 8 و12 ألف جنيه الاحتياجات الأساسية «بصعوبة».
أما الشريحة التي يتراوح دخلها بين 12 و15 ألف جنيه، فتتمتع وفق الدراسة بمستوى معيشة «محدود ومستقر نسبياً»، في حين يبدأ الوصول إلى مستوى «مناسب» للفرد الذي يعول أسرة صغيرة عند دخل يتراوح بين 15 و20 ألف جنيه شهرياً.
وتشير الدراسة إلى أن الدخل بين 20 و25 ألف جنيه يوفر «مستوى جيداً نسبياً»، بينما يمنح تجاوز الدخل حاجز الـ25 ألف جنيه مساحة أكبر للادخار ومواجهة النفقات الطارئة.
أسرة 4 أفراد
الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز «المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية» ومُعد الدراسة، يرى أن تقييم كفاية الأجر لا يمكن أن يتم بالنظر إلى الرقم وحده، وإنما من خلال مقارنته بحجم الالتزامات الشهرية للأسرة.
وأوضح أن قائمة الإنفاق تشمل الغذاء والسكن والكهرباء والمياه والغاز والمواصلات والاتصالات والتعليم والعلاج والملابس، إلى جانب العديد من المصروفات الأخرى التي أصبحت جزءاً أساسياً من ميزانية الأسرة.
ويختصر عامر جوهر الأزمة في تساؤل مختلف: «لم يعد السؤال في مصر اليوم هو: كم يتقاضى المواطن من أجر؟، وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية وإلحاحاً: ماذا يستطيع هذا الأجر أن يشتري له؟».
ووفق تقديراته، فإن الأسرة المكونة من أربعة أفراد تحتاج في عام 2026 إلى دخل شهري لا يقل عن نحو 20 ألف جنيه لتغطية احتياجاتها الأساسية، بينما يفضل أن يرتفع الدخل إلى 25 ألف جنيه لإتاحة هامش للطوارئ والادخار.
أما الفرد الأعزب، فتقدر الدراسة احتياجاته الشهرية بما يتراوح بين 12 و15 ألف جنيه، مع التأكيد على اختلاف تكلفة المعيشة بحسب المحافظة وظروف السكن.
وترى الدراسة أن الحد الأدنى للأجر الحكومي لا يغطي سوى نحو ربع الاحتياجات وفقاً للتقديرات البحثية الأخيرة، وهو ما يعكس فجوة هيكلية بين مستويات الدخول وتكلفة المعيشة.
وتشير هذه الفجوة إلى ضغوط متزايدة على شرائح واسعة من المجتمع، خصوصاً الطبقة الوسطى، التي تواجه صعوبة في الحفاظ على مستوى معيشتها في ظل ارتفاع تكلفة السلع والخدمات بوتيرة أسرع من نمو الدخول.
وتزداد حدة المشكلة مع استمرار الضغوط التضخمية، إذ بلغت آخر نسبة فقر معلنة وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 33.5% عام 2021، بينما سجل معدل التضخم السنوي في مدن مصر 14.5% خلال أغسطس، وفق البيانات الرسمية.
وفي السياق نفسه، تتوقع مؤسسة «فيتش سوليوشنز» ارتفاع متوسط معدل التضخم من نحو 14% خلال النصف الأول من 2026 إلى 15.5% خلال النصف الثاني من العام.
وبذلك، لا تبدو قضية الأجر مجرد مسألة تتعلق بزيادة الأرقام الاسمية للدخل، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بقدرة المواطن على الحفاظ على قوته الشرائية، وتأمين احتياجات أسرته، وامتلاك هامش مالي لمواجهة المفاجآت، وهي معادلة تجعل مفهوم «الأجر المعيشي» أحد أبرز مؤشرات قياس مستوى الحياة خلال المرحلة المقبلة.







