و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

قوة العمل تصل لـ35.4  مليون فرد

«شغلانة واحدة لا تكفي».. المهنة الثانية بين ضرورة مقاومة الغلاء وأزمة غياب الأب

موقع الصفحة الأولى

لم تعد عبارة «عندي شغل بعد الشغل» مجرد جملة عابرة في أحاديث المصريين، بل تحولت المهنة الثانية لدى قطاعات من العاملين إلى نمط حياة تفرضه معادلة الدخل والإنفاق، فهناك موظف حكومي ينهي ساعات عمله ليتجه إلى قيادة سيارة أجرة أو العمل عبر تطبيقات التوصيل، ومدرس يبدأ يومه في مدرسة وينهيه بالدروس الخصوصية، وطبيب يجمع بين أكثر من منشأة، وشاب جامعي يعمل نهارًا في شركة ومساءً عبر منصات العمل الحر.

المشهد لا يعني بالضرورة أن كل من يعمل في وظيفتين يعاني الفقر، لكنه يكشف تغيرًا واضحًا في العلاقة بين العمل والدخل ومستوى المعيشة، ويطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل أصبحت الوظيفة الواحدة عاجزة عن تلبية احتياجات الأسرة؟

تكشف أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن قوة العمل في مصر سجلت نحو 35.4 مليون فرد خلال الربع الأول من 2026، بينما بلغ عدد المتعطلين نحو 2.126 مليون شخص، بمعدل بطالة بلغ 6%.

ورغم أن انخفاض البطالة يمثل مؤشرًا إيجابيًا، فإن الأرقام لا تعكس بالضرورة جودة الوظائف أو قدرة العامل على تحقيق دخل كافٍ من عمله الأساسي، في ظل انتشار العمل غير الرسمي والعمل لحساب النفس.

وتشير دراسات سوق العمل إلى حاجة الاقتصاد المصري إلى أكثر من مليوني فرصة عمل سنويًا لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، في وقت لا تزال فيه العمالة غير الرسمية تمثل تحديًا هيكليًا.

وهنا تظهر المفارقة: انخفاض البطالة لا يعني بالضرورة أن العامل يعيش من وظيفة واحدة مستقرة تكفي احتياجاته.

ومن جانبه يرى الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع إن دخلًا شهريًا قدره 10 آلاف جنيه لم يعد كافيًا لتغطية احتياجات أسرة بالمستوى المعيشي المناسب، مشيرًا إلى اضطرار مواطنين إلى المهنة الثانية والعمل في أكثر من وظيفة لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.

وأشار إلى أن مع ارتفاع أسعار الغذاء والسكن والمواصلات والتعليم والعلاج، قد يذهب الراتب بالكامل إلى الاحتياجات الأساسية، فلا يتبقى شيء للادخار أو مواجهة الطوارئ، وهكذا تتحول المهنة الثانية من وسيلة لتحسين مستوى المعيشة إلى وسيلة للحفاظ على المستوى نفسه.

ولم تقدم البيانات الرسمية، حتى الآن، مسحًا شاملًا يحدد عدد المصريين الذين يشغلون وظيفة ثانية، وهو ما يمثل فجوة مهمة في قياس الظاهرة، لكن مؤشرات سوق العمل تكشف حجم البيئة التي يمكن أن تنمو داخلها. فوفق بيانات منشورة عن العمالة غير المنتظمة، يعمل نحو 7.5 مليون شخص خارج المنشآت في أنشطة متعددة، من بينها البناء والصيانة والميكانيكا وغيرها.

كما فتح انتشار العمل الحر والمنصات الرقمية بابًا جديدًا للحصول على دخل إضافي، خصوصًا بين الشباب، عبر التوصيل والنقل والتجارة الإلكترونية والتسويق وصناعة المحتوى والعمل عن بُعد.

المشكلة أن جزءًا من الوظيفة الثانية لا يظهر أصلًا في الإحصاءات؛ فالعامل الذي يقضي 8 ساعات في مصنع، ثم يعمل أربع ساعات في ورشة أو يقود سيارة أو يقدم خدمة عبر أحد التطبيقات، يظهر إحصائيًا باعتباره «مشتغلًا» واحدًا، رغم أنه يؤدي أكثر من نشاط اقتصادي.

الأب الغائب

اقتصاديًا، تبدو الوظيفة الثانية حلًا منطقيًا لزيادة الدخل، لكن لها تكلفة اجتماعية وإنسانية. فالعامل الذي يبدأ يومه في السابعة صباحًا وينهي نشاطه الثاني بعد منتصف الليل لا يدفع من وقته فقط، وإنما يدفع أيضًا من صحته وراحته وعلاقته بأسرته وقدرته على التعلم والتطور المهني.

المشكلة لا تتوقف عند الاقتصاد، فقد يرى الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن ربط ظاهرة العمل في وظيفتين بتدني الأجور وزيادة الأعباء الأسرية، وحذر من تأثيرها على الوقت الذي يقضيه الأب مع أسرته وعلى تربية الأبناء

وقال أن العمل الثاني ليس بالضرورة مشكلة إذا لم يؤثر على أداء الوظيفة الأساسية أو الحياة الأسرية، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول البحث عن الدخل إلى استنزاف كامل لوقت الإنسان.

تم نسخ الرابط