تشهد القاهرة في هذه الأيام زيارة تاريخية للرئيس الصيني شي جين بينغ، الأولى منذ نحو عشر سنوات. وتأتي هذه الزيارة متزامنة مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية مصر العربية وجمهورية الصين الشعبية عام 1956. إنها ليست مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل تتويج لعلاقات متجذرة في التاريخ الحديث، قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون في القضايا الأساسية منذ انطلاقة الصين الحديثة.
في مقالة نُشرت أمس عبر وكالة الأنباء الصينية، أشار الرئيس شي جين بينغ مرة أخرى إلى المعاني التاريخية العميقة التي تربط الصين بمصر، مؤكداً موقع مصر الاستراتيجي ببعديه العربي والأفريقي، ودورها المحوري كجسر بين القارتين. هذه الكلمات الصادقة والمؤثرة تتوافق تماماً مع ما أكده سابقاً في مناسبات تاريخية، وتعكس معرفة دقيقة بجذور الصداقة التي تمتد منذ انطلاقة الصين الحديثة.
جذور تاريخية راسخة
من حسن الطالع أن كلمات الرئيس شي تعيد إحياء هذا التاريخ المشترك بأسلوب يعكس معرفة عميقة ودقيقة بجذوره. فقد أشار في مناسبات سابقة، ومنها مقاله الموقع في صحيفة «الأهرام» قبيل زيارته عام 2016، إلى اللحظة التاريخية التي تصافح فيها رئيس الوزراء الصيني تشو إنلاي والزعيم المصري جمال عبد الناصر في مؤتمر باندونغ عام 1955. ذلك المؤتمر الذي كان بحق صرخة ضد الإمبريالية العالمية، ووقف إلى جانب حق الشعوب في تقرير مصيرها، بما في ذلك حق الشعب الصيني في إنجاح ثورته بقيادة الزعيم ماو تسي تونغ.
لم يكن مؤتمر باندونغ مجرد لقاء دولي، بل كان ميلاد روح التضامن الآسيوي-الأفريقي، وأعلن قيام حركة عدم الانحياز، وانبثق عنه لاحقاً منظمة تضامن الشعوب الأفروآسيوية. وقد لعبت مصر والصين دوراً محورياً في ترسيخ هذه الروح؛ إذ كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين الجديدة عام 1956، بعد أقل من عام على باندونغ. ومنذ ذلك الحين، وقفت البلدان معاً في مواجهة الاستعمار والهيمنة، دعماً للقضايا العادلة، وبناءً لعلاقات تقوم على المساواة والمنفعة المتبادلة.
تدل كلمات الرئيس شي بوضوح على تقدير زعيم وطني لعمق هذه العلاقات ببعديها العربي والأفريقي. فهو يرى في الصين ومصر نموذجين لحضارتين عريقتين في الجنوب العالمي، يجمعهما تاريخ مشترك من النضال من أجل الاستقلال والتنمية، ورؤية مشتركة لعالم أكثر عدلاً وتعدداً. وقد أكد في رسائله المتبادلة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة الذكرى السبعين أن العلاقات الصينية-المصرية أصبحت نموذجاً للصداقة والتضامن والتعاون بين الدول النامية، ومعياراً للتعاون الجماعي بين الصين والدول العربية وبين الصين وأفريقيا، وأنهما تسيران بثبات نحو بناء مجتمع مصير مشترك في العصر الجديد.
هذه الإشارة إلى باندونغ ليست مجرد استدعاء تاريخي، بل رسالة سياسية واضحة: أن روح التضامن ضد الإمبريالية، والوقوف إلى جانب الشعوب في نضالها من أجل السيادة والكرامة، لا تزال حية. وهي روح يستمر البلدان في حملها اليوم من خلال الشراكة الاستراتيجية الشاملة، والتعاون في إطار مبادرة الحزام والطريق، ومجموعة بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، وغيرها من المنصات التي تعزز صوت الجنوب العالمي.
وبصفتي نائب رئيس منظمة تضامن الشعوب الأفروآسيوية، أؤكد أن دور المنظمة لم يكن يوماً مقتصراً على البيانات السياسية. فقد عملت منذ نشأتها على نشر الأمن والسلام سياسياً، ودعم التنمية الاقتصادية المستدامة، وتعزيز التعاون بين الشعوب من أجل الرخاء المشترك. وفي العلاقة الخاصة بين الشعبين الصيني والمصري، لعبت المنظمة دوراً بارزاً في بناء جسور التفاهم والتضامن الشعبي، مستلهمة اللقاء التاريخي بين تشو إنلاي وجمال عبد الناصر في باندونغ، الذي مهّد لإقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1956.
المنظمة، بمقرها في القاهرة ولجانها الوطنية في عشرات الدول، دعت دائماً إلى حق الشعوب في اختيار طريقها التنموي الخاص، ومكافحة الفقر، وتعزيز الثقافة الوطنية، ونزع السلاح، وبناء عالم خالٍ من العنف. هذا الدور يتناغم اليوم مع رؤية الرئيس شي في بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية، ومع الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والصين، التي تشمل التعاون في البنية التحتية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والزراعة، ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق ومجموعة بريكس.
إن زيارة الرئيس شي في هذا التوقيت تذكرنا بأن الصداقة المصرية-الصينية ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لتاريخ طويل بدأ مع انطلاقة الصين الحديثة، وترسخت في باندونغ، واستمرت عبر عقود من الدعم المتبادل في القضايا الأساسية. كلمات الرئيس شي الصادقة تعكس هذا الوعي التاريخي العميق، وتقديره لزعيم وطني يدرك قيمة هذه العلاقات في بعدها العربي والأفريقي معاً. وهي كلمات تفتح صفحة جديدة من التعاون، مستلهمة من الماضي لتبني مستقبلاً أكثر ازدهاراً للشعبين وللعالم النامي بأسره.
في ظل الزيارة الحالية، تتجدد هذه الرسالة، لتفتح آفاقاً أوسع للرخاء المشترك بين الشعبين، ولتعزيز صوت الجنوب العالمي في بناء نظام دولي أكثر عدلاً وإنصافاً.





