و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

هل التشريعات الحالية كافية للردع ؟

302 ألف بلاغ إستغلال جنسي.. «الدارك ويب» شبكة جر الأطفال لجرائم الابتزاز والتجنيد

موقع الصفحة الأولى

بينما يستخدم ملايين الأطفال الإنترنت للتعلم والترفيه والتواصل، ويظل ما يُعرف بـ«الدارك ويب» جزء من العالم الرقمي بعيدًا عن أعين الأسرة والمدرسة، ومن بين أكثر المساحات إثارة للقلق، الذي يمثل جزءًا مخفيًا من الإنترنت يمكن أن تستغله شبكات إجرامية في أنشطة غير قانونية، من بينها تداول مواد الاعتداء والاستغلال الجنسي للأطفال والاتجار بالبيانات والابتزاز.

ولا يعني ذلك أن كل طفل يستخدم الإنترنت معرض تلقائيًا للوصول إلى الدارك ويب؛ فالخطر الأكبر يبدأ غالبًا من المنصات المفتوحة، حيث يمكن للمجرمين استدراج الأطفال عبر الألعاب وشبكات التواصل وتطبيقات المحادثة، قبل نقلهم إلى مساحات أكثر سرية.

وتشير اليونيسف إلى أن الأطفال يواجهون عبر الإنترنت مخاطر متعددة، بينها الاستغلال والاعتداء الجنسي والتنمر والابتزاز، فيما يؤكد الإنتربول أن الجرائم المرتبطة بالاستغلال الجنسي للأطفال أصبحت أكثر تعقيدًا مع تطور التكنولوجيا ووسائل إخفاء الهوية.

وفي مصر، تتزايد أهمية القضية مع الانتشار الواسع لاستخدام الإنترنت والهواتف الذكية بين الأطفال والشباب. ووفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن استخدام الإنترنت أصبح منتشرًا على نطاق واسع بين الفئات العمرية الصغيرة، وهو ما يجعل التوعية الرقمية وحماية الأطفال مسؤولية تتجاوز الأسرة إلى المدرسة والمنصات الرقمية ومؤسسات إنفاذ القانون.

يرى متخصصون في حماية الطفل والأمن السيبراني أن تصور الدارك ويب باعتباره الخطر الوحيد قد يؤدي إلى تجاهل المشكلة الأساسية: الاستدراج الرقمي. فقد يبدأ المعتدي بالتقرب من الطفل عبر حساب عادي، ثم بناء الثقة، والحصول تدريجيًا على صور أو معلومات شخصية، قبل استخدام هذه المواد في التهديد والابتزاز.

وتحذر منظمات حماية الطفل من ظاهرة Grooming، أي استمالة الطفل وإعداده للاستغلال، باعتبارها من أخطر أنماط الاعتداء الرقمي.

الخوف من العقاب أو الفضيحة قد يدفع الطفل إلى إخفاء ما يحدث، خصوصًا عندما يستخدم المبتز صورًا أو محادثات خاصة لتهديده. لذلك يؤكد خبراء التربية والصحة النفسية أن رد فعل الأسرة يمثل عاملًا حاسمًا؛ فالعقاب الفوري أو اللوم قد يدفع الطفل إلى مزيد من الصمت.

ويؤكد المتخصصون أن حماية الأطفال لا تعتمد فقط على برامج الرقابة الأبوية، بل على تعليمهم عدم مشاركة الصور الخاصة أو كلمات المرور والبيانات الشخصية، والإبلاغ فورًا عن أي تهديد أو تواصل مريب.

جدير بالذكر، أن تقرير المجلس القومي للطفولة والأمومة عن حصاد عام 2025 أظهر تلقي خط نجدة الطفل «16000» نحو 584 ألفا و809 مكالمات خلال العام، من بينها 27 ألفا و700 بلاغ، بزيادة بلغت 29.3% مقارنة بالعام السابق.

وأوضح أن طبيعة البلاغات تضمنت حالات مرتبطة باستغلال الأطفال عبر الإنترنت، وهو ما يعكس الحاجة إلى تعزيز أدوات الوقاية والرصد والتدخل المبكر لحماية القصر من مخاطر الفضاء الرقمي.

ومع إطلاق مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، في يناير 2026، مؤشر «حماية الطفولة من مخاطر الإنترنت»، سجل في أول قراءة له 64.3 نقطة، فيما بلغ مؤشر الاستخدام الرقمي الآمن للأطفال 75.6 نقطة.

وأشار المركز أن هذه المؤشرات تعكس الحاجة إلى تطوير أدوات الحماية الرقمية بالتوازي مع التوسع المتزايد في استخدام الأطفال للإنترنت، مؤكدا أن حماية القصر يجب أن تشمل مختلف البيئات التي يستخدمونها، سواء منصات التواصل الاجتماعي أو تطبيقات المحادثة أو الألعاب الإلكترونية.

الداخلية والاتصالات 

تقدم الدكتور أيمن محسب، عضو مجلس النواب، بسؤال إلى كل من وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ووزير الداخلية، بشأن تنامي مخاطر الشبكات المظلمة «Dark Web»، وما قد تتيحه من بيئة لاستدراج الأطفال والقصر وارتكاب جرائم إلكترونية عابرة للحدود، مطالبا الحكومة بتقديم بيان تفصيلي حول حجم هذه الجرائم والإجراءات المتخذة لمواجهتها.

وأكد محسب أن الجرائم المرتبطة بالفضاء الرقمي لم تعد تقتصر على صور الاحتيال الإلكتروني أو اختراق الحسابات وسرقة البيانات، وإنما تطورت إلى أنماط أكثر تعقيدا، تستغل بيئات رقمية مغلقة وشبكات يصعب الوصول إليها بالوسائل التقليدية.

وأوضح أن «الدارك ويب» يمكن أن تستغله عناصر إجرامية في إخفاء هوياتها، وتبادل البيانات والمواد غير المشروعة، والتخطيط لجرائم متعددة، من بينها الابتزاز والاستدراج والاتجار بالبشر وغيرها من الأنشطة الإجرامية، وهو ما يفرض ضرورة تطوير أدوات المواجهة بما يتناسب مع طبيعة هذه البيئات الرقمية.

وأشار عضو مجلس النواب إلى أن إحدى الأعمال الدرامية المعروضة حاليا أعادت تسليط الضوء على قضية جنائية مصرية ارتبطت باستخدام «الدارك ويب»، مؤكدا أن إعادة طرح القضية لا ينبغي أن تتوقف عند الجانب الدرامي، وإنما يجب أن تمثل فرصة لفتح نقاش جاد حول قدرة الدولة على التعامل الاستباقي مع البيئات الرقمية المغلقة، خاصة فيما يتعلق بحماية الأطفال والقصر.

وأضاف أن البيانات الدولية تشير كذلك إلى حجم التحدي، موضحا أن عدد البلاغات المتعلقة بمواد الاستغلال الجنسي للأطفال في مصر عبر نظام CyberTipline بلغ نحو 431 ألفا و44 بلاغا عام 2022، ثم ارتفع إلى 627 ألفا و802 بلاغ في 2023، قبل أن يتراجع إلى 302 ألف و829 بلاغا في 2024.

وشدد على ضرورة التعامل مع هذه الأرقام في إطارها الصحيح، موضحا أنها تمثل بلاغات مرصودة عبر النظام الدولي، ولا تعني بالضرورة عدد الجرائم أو الضحايا داخل مصر، لكنها تظل مؤشرا على حجم المحتوى والأنشطة الرقمية المرتبطة باستغلال الأطفال، وتستدعي استمرار تطوير آليات الرصد والمواجهة.

وأشار محسب إلى واقعة أعلنت عنها هيئة الرقابة الإدارية في فبراير 2025، تضمنت ضبط أحد مخترقي الحسابات الإلكترونية بعد تمكنه من اختراق حسابات شخصية لأكثر من 100 فتاة قاصر من حاملي الجنسيات المصرية والأجنبية، واستخدام صورهن الخاصة في التهديد والابتزاز.

وأكد أن مثل هذه الوقائع تكشف طبيعة المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الأطفال والقصر في البيئة الرقمية، خاصة مع سهولة انتقال المجرمين بين منصات وتطبيقات مختلفة، واستغلال البيانات والصور الشخصية في ممارسة الضغط والتهديد والابتزاز.

وتساءل عضو مجلس النواب عن مدى امتلاك الأجهزة المعنية أدوات تقنية متخصصة لرصد الأنشطة الإجرامية على الشبكات المظلمة، وتحليل أنماط استخدامها، واكتشاف الحسابات والشبكات التي تستهدف الأطفال، قبل أن يتطور النشاط الإلكتروني إلى جرائم أكثر خطورة على أرض الواقع.

إنذارات مبكرة 

وطالب الحكومة بالكشف عن وجود منظومة وطنية موحدة لتبادل المعلومات والإنذارات المبكرة بين وزارة الداخلية ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والمجلس القومي للطفولة والأمومة والنيابة العامة، بما يضمن سرعة التعامل مع بلاغات استدراج الأطفال أو ابتزازهم أو تهديدهم إلكترونيا.

كما تساءل محسب عن الإجراءات التي تتخذها الجهات المعنية لمواجهة استغلال الأطفال عبر منصات الألعاب الإلكترونية وتطبيقات المحادثة وشبكات التواصل الاجتماعي، باعتبار أن بعض هذه المنصات قد تمثل نقطة دخول لاستدراج القصر إلى بيئات رقمية أكثر خطورة.

ودعا إلى دراسة تطوير منظومة وطنية للرصد المبكر للمحتوى والأنشطة الرقمية التي تمثل خطرا على الأطفال، مع الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، ووضع ضوابط واضحة تضمن في الوقت نفسه حماية الخصوصية والحقوق الرقمية للمواطنين.

وطالب عضو مجلس النواب بالكشف عن مدى كفاية التشريعات الحالية لمواجهة التطور المتسارع في جرائم «الدارك ويب»، والاستدراج الرقمي والابتزاز الإلكتروني والاتجار بالبشر واستغلال الأطفال عبر الإنترنت، وما إذا كانت هناك حاجة إلى تعديلات تشريعية تستوعب التطورات التقنية المتلاحقة.

وشدد محسب على أهمية تعزيز التعاون المصري مع أجهزة إنفاذ القانون والمنظمات الدولية المتخصصة في مكافحة الجرائم الإلكترونية واستغلال الأطفال عبر الإنترنت، خاصة أن الطبيعة العابرة للحدود لهذه الجرائم تفرض تنسيقا مستمرا في تبادل المعلومات والخبرات وتتبع مرتكبيها.

وأكد أن حماية الأطفال من مخاطر الفضاء الرقمي أصبحت قضية أمن مجتمعي تتطلب منظومة متكاملة تجمع بين الرصد والوقاية والتوعية والتدخل السريع، إلى جانب تطوير القدرات التقنية والتشريعية بما يواكب التحولات المتسارعة في طبيعة الجرائم الإلكترونية.

تم نسخ الرابط