و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

في كل مرة تنتشر فيها واقعة على مواقع التواصل الاجتماعي، تبدأ الدائرة نفسها تقريبًا: فيديو ينتشر، صورة تتداول، أسماء تتردد، ثم تتحرك الأجهزة الأمنية للتحقق من الواقعة، وقد ينتهي الأمر بالقبض على أحد الأشخاص.
حتى هنا يبدو الأمر طبيعيًا؛ فالسوشيال ميديا قد تكون وسيلة تلفت انتباه الأجهزة المختصة إلى واقعة تستوجب الفحص، والشرطة من حقها، بل من واجبها، أن تتحقق من البلاغات والشبهات التي تصل إليها.
لكن السؤال يبدأ بعد ذلك:ماذا يحدث عندما يتحول الشخص الذي تم القبض عليه من «متهم» إلى «مجرم» في نظر المجتمع قبل أن تبدأ محاكمته أصلًا؟
من المعروف أن التصوير دون إذن جريمة  الا في أحوال خاصة ، فالقانون لا يجرّم مجرد تصوير شخص لمجرد أنه لم يمنح إذنًا بالتصوير، وإنما يرتبط التجريم في صور مهمة منه بالاعتداء على الحياة الخاصة، و الأماكن الخاصة.
كما أن تصوير واقعة أو جريمة قد يكون وسيلة لحفظ دليل وتقديمه إلى الشرطة أو النيابة، لكن حفظ الدليل شيء، ونشره على ملايين الأشخاص شيء آخر تمامًا.
وهنا بدأت أتساءل: لماذا بمجرد انتشار واقعة على السوشيال ميديا، يصبح من الطبيعي أن نرى صور المقبوض عليهم وبياناتهم، وأن تبدأ صفحات وحسابات في تحليل القضية وإصدار الأحكام، وكأننا أصبحنا جميعًا جهات تحقيق ومحاكم؟
الدستور المصري واضح في هذه النقطة؛ المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة. وانتشار الاتهام لا يحوله إلى مدان.
ولكن ماذا عن الشرطة؟
هنا يجب أن نكون أكثر دقة.فتصوير الشرطة للمقبوض عليه لأغراض الإجراءات الجنائية وإثبات الشخصية ليس هو نفسه نشر صورته للجمهور.
كما أن نشر جهة أمنية لبيان عن ضبط شخص في قضية ذات اهتمام عام لا يعني تلقائيًا أن نشر الصورة أصبح جريمة، ولا يعني في الوقت نفسه أن الشخص أصبح مدانًا.
فالتقييم القانوني يتوقف على صفة الناشر، والغرض من النشر، ومضمونه، وطريقة عرض الشخص، وما إذا كان النشر مجرد بيان رسمي عن واقعة أم تحول إلى إدانة أو مساس بالخصوصية.
وهنا تحديدًا أجد نفسي أمام سؤال آخر:إذا كان من حق الأجهزة المختصة أن تتحقق من الواقعة، فمن أعطى المجتمع حق أن يتحول إلى جهة تحقيق؟وماذا لو كان المتهم بريئًا؟
هذه ربما أخطر نقطة في المسألة كلها.قد تنتشر صورة شخص مع اتهام خطير، ويصبح اسمه معروفًا، وتنتشر صوره في الصفحات والمجموعات، ثم تظهر التحقيقات أو الأدلة أو الخبرة أن الاتهام لم يكن صحيحًا.
القانون يستطيع أن يعاقب على التشهير أو النشر غير المشروع، ويستطيع المتضرر أن يطالب بالتعويض، لكن هناك مشكلة لا يستطيع أي نص قانوني أن يحلها بسهولة:من يعيد للإنسان سمعته بعد أن انتشر الاتهام؟
فالخبر الذي يقول «تم القبض على فلان» قد ينتشر في ساعات إلى آلاف أو ملايين الأشخاص، بينما خبر البراءة أو انتفاء الاتهام قد لا يصل إلا إلى جزء صغير منهم.
وهنا تصبح المحاكمة الاجتماعية أسرع من المحاكمة القضائية، وأحيانًا أقسى منها.
وهذا ليس افتراضًا بعيدًا عن الواقع؛ فقد رأينا وقائع اتُّهم فيها أشخاص ثم ظهرت لاحقًا معلومات تغير الصورة تمامًا، وفي إحدى الحالات التي طرحتها على د. أحمد سعيد كان السؤال حول واقعه اتهام طبيب بارتكاب خطأ طبي واهمال ونشر صوره واسمه على الملئ ثم ثبت  أن الاتهام الموجه إليه لم يكن صحيحًا، فمن يعيد للطبيب سمعته المهنية بعد أن انتشرت صورته باعتباره متهمًا؟هل يملك المجتمع حق التدخل في حياة الأشخاص؟
ومن الأسئلة التي أظن أنها تكشف حجم المشكلة ما تم تداول حول قضيه   تعرض فتايات للاختطاف، ثم ظهر انهن   بخير وإنهن لم يكن  مختطفات وان تواجدهم مع المتهم بارادتهن ولاسباب تتعلق بالعمل .هل يصبح من حق الجمهور أن يصر على توقيع الكشف الطبي عليهم لأنه يريد أن «يتأكد» من الواقعه؟
الإجابة التي يوضحها د. أحمد سعيد أن المجتمع ليس جهة تحقيق، فإذا وجدت بلاغات أو شبهة جريمة، فالسلطات المختصة هي التي تتحقق من الواقعة بالوسائل القانونية. أما ضغط الجمهور فلا يتحول إلى سلطة تفرض إجراءً طبيًا على أشخاص، خصوصًا أن الكشف الطبي يمس جسد الإنسان وخصوصيته.
بمعنى آخر: من حقنا أن نقلق، وأن نسأل، وأن نطلب من الجهات المختصة أن تتحقق، لكن ليس من حقنا أن نعين انفسنا قضاتا .
وماذا عن المحامين الذين يتحولون إلى أطراف في «المحاكمة التلفزيونية»؟
هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا.من حق المحامي أن يدافع عن موكله، وأن يقدم أوجه دفاعه أمام جهات التحقيق والمحكمة، لكن الظهور في برنامج تلفزيوني ليس امتدادًا مفتوحًا لحق الدفاع.
فإذا خرج المحامي ليقول: «موكلي أكد لي أن...» فإن هذه العبارة في حد ذاتها ليست دليلًا قضائيًا، وإذا تضمنت تصريحاته اتهامات للمجني عليه أو حديثًا عن تزوير أو سلوك إجرامي أو تفاصيل خاصة، فإن المسؤولية لا تختفي بمجرد القول إن «موكلي هو الذي أخبرني». 

العبرة بمضمون ما نُشر وطبيعته ومدى ثبوت الوقائع وآثار نشرها.

بل إن هناك نصوصًا في قانون العقوبات تتعلق بنشر أمور من شأنها التأثير في القضاة أو جهات التحقيق أو الشهود، أو التأثير في الرأي العام لمصلحة أحد أطراف الدعوى أو ضده، وهو ما يجعل ظاهرة «المحاكمة التلفزيونية» مسألة تستحق التوقف أمامها.
وهل المحامي فوق المساءلة؟
اجاب د. احمد سعيد بالتأكيد لا.
ظهور المحامي في التلفزيون ليس مخالفة في حد ذاته، لكن إذا تحول هذا الظهور إلى سلوك يخل بواجبات المهنة أو ينال من شرفها أو يحط من قدرها، فهناك مساءلة تأديبية وفق قانون المحاماة، وقد تصل العقوبات التأديبية إلى الإنذار واللوم والمنع من مزاولة المهنة ومحو الاسم من الجدول، بحسب الحالة. كما قد توجد مسؤولية جنائية مستقلة إذا توافرت جريمة مثل القذف أو السب أو انتهاك الخصوصية.
وهنا لا أتحدث عن حق المحامي في الدفاع عن موكله، فهذا حق أصيل، وإنما عن السؤال: هل الدفاع عن الموكل يعني أن تصبح حياة الطرف الآخر وماضيه وأسراره مادة متاحة للجمهور؟
وعندما تدخل الحياة الزوجية مثلا  إلى ساحة القضيةكما شهدنا في الفترة الحاليه في بعض قضايا مشاهير الرياضة والفن ، حيث خرج  بعض المحامين  في مداخلات إعلامية متبادلة، ثم جرى تداول  بعض الوثائق الشخصية علانية.
وهنا يجب أيضًا الحذر من إصدار حكم قانوني قاطع دون معرفة ظروف الحصول على الوثيقة وملابسات نشرها؛ فمجرد نشر وثيقة رسمية سليمة وغير مزورة  ليس بالضرورة هو نفسه نشر تحقيق أو مرافعات في الدعوى ، وهي الحالة التي يتناولها النص الخاص في قانون العقوبات.
لكن، بعيدًا عن التوصيف الجنائي الدقيق لكل واقعة، يبقى السؤال الأخلاقي والمهني قائمًا:
هل تحول الواقعة إلى «ترند» يجعل التفاصيل  الخاصة مباحة للجميع؟
حتى الصور الموجودة على صفحاتنا ليست مباحة للجميعوهذه نقطة أعتقد أن كثيرًا من مستخدمي السوشيال ميديا لا ينتبهون إليها.
كون شخص نشر صورة على صفحته أو في نطاق معين لا يعني أنه منح العالم كله حق إعادة نشرها في أي سياق.
فالمادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات تتناول نشر معلومات أو أخبار أو صور تنتهك خصوصية الشخص دون رضاه، حتى لو كانت المعلومات صحيحة. وبالتالي فصحة المعلومة وحدها لا تجعل نشرها مباحًا تلقائيًا.
وهنا نعود إلى السؤال الأول: عندما يدخل أحدهم إلى صفحة شخص، يجمع صوره القديمة، وفيديوهاته، ومعلومات أسرته، ثم يضعها في منشور عن قضية جنائية، هل أصبح ذلك مباحًا فقط لأن المعلومات كانت موجودة على الإنترنت؟
الإجابة ليست نعم.
إذن من المسؤول عن «محاكمة السوشيال ميديا»؟
لا توجد جهة واحدة يمكن أن نضع أمامها المسؤولية كلها.
هناك من ينشر اتهامًا كاذبًا، وهناك من ينشر صورًا ومعلومات خاصة دون رضا أصحابها، وهناك من يقذف ويسب، وهناك من ينشر ما قد يؤثر في التحقيق أو القضاء، وهناك المحامي الذي قد يخل بواجباته المهنية، وهناك وسائل إعلام لها قواعد وضوابط مهنية وقانونية مختلفة.
لكن في النهاية هناك طرف آخر في هذه المعادلة:نحن الجمهور الذي يضغط على زر المشاركة  قبل أن يعرف الحقيقة، والذي يكتب  الحكم قبل أن تبدأ المحاكمة، والذي يقتطع صورة من صفحة شخصية، والذي يقرر أن المتهم مذنب لأن الناس قررت ذلك.
ربما نحتاج أن نتذكر أن العدالة ليست عدد التعليقات، وأن انتشار الاتهام ليس دليلًا على صحته، وأن الشرطة ليست المحكمة، وأن المحامي ليس القاضي، وأن المذيع ليس جهة تحقيق، وأن الجمهور ليس هيئة محلفين.
نحن نحتاج أن نعرف ما يحدث، نعم.
ونحتاج أن نحاسب المخطئ، بالتأكيد.
لكن بين معرفة الحقيقة وصناعة الإدانة مسافة كبيرة جدًا.
وإذا كانت الدولة قد وضعت قوانين تنظم التحقيق والإثبات والمحاكمة، فربما حان الوقت أن نسأل أنفسنا أيضًا:
هل نريد دولة قانون تحاكم المتهم أمام القضاء، أم مجتمعًا يحاكمه أولًا على السوشيال ميديا ثم ينتظر من المحكمة أن تخبره إن كان قد أخطأ.

تم نسخ الرابط