و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

أكتب هذه السطور قبل التوقيع الرسمي النهائي في "سويسرا" على مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، وكان قد جرى التوقيع الإلكتروني المتبادل عبر الوساطة الباكستانية المعززة بدور قطري، وبعيدًا عن تعقيبات متعددة على نصوص وتسريبات نشرتها وسائل إعلام إيرانية وأمريكية، وصرخات غضب في شوارع إيران اعتراضًا على مبدأ التفاوض مع أمريكا، وآراء معارضة بحدة في واشنطن.

ليس فقط من قادة الحزب الديمقراطي المعارض لإدارة دونالد ترامب الجمهورية، بينها ما قاله السيناتور الديمقراطي "كريس ميرفي"، الذي وصف المذكرة أو الاتفاق الإطاري بأنه "استسلام أمريكي لإيران"، وأضاف: "لكن من الجيد أننا نستسلم"، وتابع "ميرفي" في حوار تليفزيوني: "أشيد دائمًا بجنرالاتنا وجنودنا، لكن زجّ بهم في حرب لم يكن بإمكانهم الفوز فيها".

إذلال أمريكا

وإضافة لكلام "ميرفي" عن إذلال إيران لأمريكا في هذه الحرب، فقد انتهى إلى أن "إيران خرجت أكثر قوة يومًا بعد يوم، وكانت المهمة العسكرية مستحيلة"، ومثل رأي "ميرفي" كثير في الساحة الأمريكية السياسية والإعلامية، حتى إن دورية "ذي أتلانتك" الرصينة خرجت بتعليق مطول عنوانه "إيران خرجت منتصرة"، وأشار كاتب التعليق "توم نيكولز" إلى أن الولايات المتحدة لم تحقق الأهداف الأساسية التي دخلت الحرب من أجلها.

وبحسب مقال "نيكولز"، فإن ما تحقق قد يجعل إيران لاعبًا سياسيًا أكثر قوة، "بعد ما تمكنت من الصمود أمام الضغوط العسكرية، والتوصل في نهاية المطاف إلى اتفاق مع واشنطن"، وفي "إسرائيل" كانت الصدمة زلزالًا أعمق وأوسع، وفي أوساط الحكومة والمعارضة معًا، وإلى حد أن "أفيجدور ليبرمان" زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" وصف مذكرة التفاهم بأنها "انتصار مطلق لإيران وكارثة عظمى لإسرائيل"، فيما وجد بنيامين نتنياهو نفسه في موقف دفاعي بائس متلعثم، لا يستطيع معه مواصلة معارضة اتفاق "ترامب" مع إيران إلى النهاية، وبالذات فيما يخص الوضع في لبنان، الذي كان البند الأول في مذكرة التفاهم، وقد نص على وقف الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان.

ويقال في العادة إن الحق ما شهدت به الأعداء، وأغلبهم يشهد لإيران بالتفوق في الحرب والتفاوض معًا، وهو قول أقرب للحقيقة الموضوعية الباردة، فقد أبدت إيران صمودًا مذهلًا متحديًا في الحرب، وأبدى مفاوضوها براعة في حوارات تبادل الرسائل عبر الوسيط الباكستاني وغيره من الوسطاء العرب والإقليميين.

وبنية مذكرة التفاهم النهائية وضعتها إيران أولًا، من ورقة النقاط العشر إلى الصفحة والنصف الحالية المكونة من 14 بندًا، ولا تتضمن حرفًا عن برنامج إيران الصاروخي ولا عن علاقات طهران مع الحلفاء العرب من جماعات المقاومة، فقد صممت طهران على إزاحة هذه البنود من طاولة المفاوضات غير المباشرة والمباشرة، ثم إنها نجحت في ترحيل التفاوض حول البرنامج النووي الإيراني، وجعلته تاليًا لوقف الحرب أولًا، وفك الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، مقابل استعداد طهران لفتح "مضيق هرمز".

وفي الواقع المرئي، حتى قبل التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم، بدأت حركة تصدير إيران لبترولها وموادها البتروكيماوية دون اعتراض من أساطيل الحصار الأمريكية، حتى إن "ترامب" نفسه أمر بفك الحصار البحري الأمريكي فورًا، وهو ما حدث عمليًا، بينما تحدثت إيران عن الفتح التدريجي لـمضيق هرمز خلال الثلاثين يومًا الأولى بعد توقيع مذكرة التفاهم، وعن نيتها تحصيل مبالغ من السفن العابرة تحت عناوين خدمات ملاحية وبيئية لا رسوم عبور صريحة، وعن تفاهم ضمني على التفاصيل بين طهران وسلطنة عمان، وهو ما يعني كسب موارد إضافية كبيرة للاقتصاد الإيراني، فيما لم تتراجع إيران عن مساعيها الدؤوبة لاستعادة أموالها المجمدة، ورفع العقوبات الأمريكية المفروضة عليها طوال عقود مضت.

صحيح أن واشنطن تشترط تحقيق تقدم يريحها في مفاوضات الملف النووي قبل الرفع الكلي للعقوبات، لكن العقوبات على تصدير البترول الإيراني جرى رفعها عمليًا، مع الاتفاق على سريان المفاوضات حول البرنامج النووي لمدة ستين يومًا قابلة للتمديد، وتلك من تكتيكات التفاوض الإيراني المهتم بتفاصيل التفاصيل، بعد أن نجحت إيران في وضع مفاوضات الملف النووي كعنوان بغير تفاصيل ملزمة في نص مذكرة التفاهم، ولم يعد "ترامب" من جهته يتمسك حرفيًا بخرافة نقل يورانيوم التخصيب العالي إلى واشنطن، وهو ما لا توافق عليه إيران منذ البداية.

وصار "ترامب" يتحدث عما يسميه تدمير أو التخلص من نحو 450 كيلوجرامًا من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة، وعلى نحو أقرب إلى التصور الإيراني، الذي يطرح خيار خفض نسبة التخصيب العالي على الأراضي الإيرانية لا خارجها، أو نقله إلى أراضي الحليفين الروسي أو الصيني في أسوأ تقدير، ثم إعادته في صورة وقود نووي لتشغيل مفاعلات ومنشآت إيران النووية، التي تتمسك طهران ببقائها وتطويرها، لا تفكيكها كما يطلب الأمريكيون و"الإسرائيليون".

وحديث مذكرة التفاهم عن "الاحتياجات النووية" لإيران يبدو تسليمًا من حيث المبدأ ببقاء البرنامج النووي الإيراني، ويبدو تراجعًا أمريكيًا ضمنيًا عن دعوى "تصفير" التخصيب النووي الإيراني للأبد، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي الأسبق "باراك أوباما" للخروج عن صمته، والسخرية من زعيق "ترامب" الذي لا يتوقف عن القول بسعيه إلى اتفاق أفضل من "اتفاق أوباما" عام 2015، الذي كان يحدد أعلى نسبة تخصيب مسموح بها لإيران في حدود 3.67%، والذي ألغاه "ترامب" في مايو 2018 زمن رئاسته الأولى، وردت إيران بالتحلل من التزاماتها، والقفز بنسبة التخصيب إلى 60% وأكثر فيما هو معلن، وربما تخزين يورانيوم مخصب بنسب أكبر في أنفاق موقع سري محصن بجبل "الفأس" كما تشير تقارير أمريكية.

فبوسع إيران أن تزيد نسب التخصيب إلى ما يزيد على التسعين بالمئة، وهي تصنع ذاتيًا أجهزة طرد مركزي أكثر تطورًا، وقد تكون تمتلك رؤوسًا نووية صنعتها بالفعل، خاصة أن المرشد الجديد "مجتبى خامنئي" الأكثر مخاطرة وجرأة، ليس ملزمًا إلى النهاية بفتوى الأب "علي خامنئي"، وبوسعه تغيير فتوى الأب بحظر تصنيع أسلحة نووية، التي استند إليها المفاوض الإيراني في تقديم تعهد بعدم حيازة أو تصنيع أسلحة نووية، واعتبرها "ترامب" انتصارًا عظيمًا، مع أن أحدًا لا يضمن بقاء الفتوى القابلة للتغيير مع تداعي الضرورات المبيحة للمحظورات والحروب التي تشنها أمريكا و"إسرائيل" على إيران.

ومن الحديث النووي المباشر، قفزت إيران إلى امتلاك سلاح أقوى من النووي في مئة يوم وأكثر حربًا فمفاوضات، وقد خلصت تقارير استخباراتية جديدة أذاعتها محطة "سي.إن.إن" الأمريكية أخيرًا، إلى أن إيران صارت تملك سلاحًا جديدًا أقوى من كل القنابل النووية.

وقالت تقارير لأجهزة المخابرات الأمريكية إنه بغض النظر عن مذكرة التفاهم أو الاتفاق الإطاري الموقع رسميًا، فقد أثبتت إيران قدرتها على إغلاق "مضيق هرمز" خلال النزاع الجاري، ويمكنها تكرار ذلك في أي وقت، وقالت التقارير السرية إن أمريكا منحت إيران بسوء التخطيط الحربي سيطرة فعلية على المضيق، كما أن حرب أمريكا "غيرت تفكير إيران بشأن استخدام تكتيكات مماثلة في المستقبل"، وأنه من الأسباب الرئيسية التي تدفع إيران للاعتقاد بقدرتها على مواصلة تسليح "مضيق هرمز"، هو احتفاظها بجزء كبير من ترسانتها، بما في ذلك الصواريخ وقاذفات الصواريخ ومئات الزوارق السريعة التي يمكن استخدامها لزرع الألغام.

فن إبرام الصفقات

 

وأضافت المصادر الاستخباراتية في إفاداتها إلى "سي.إن.إن" أن إيران تعيد بناء قاعدتها الصناعية العسكرية بوتيرة أسرع مما توقعته الولايات المتحدة، وبدأت بالفعل في إنتاج طائرات مسيّرة جديدة، وتثير التقارير الاستخباراتية الأمريكية مسألة احتمال لجوء إيران لدفع "الحوثيين" إلى معاودة إغلاق مضيق "باب المندب" إذا ما انهارت مفاوضات الستين يومًا المقبلة، وقبل التوصل إلى صيغة نهائية لمذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، وقالت "الفايننشيال تايمز" العالمية ذائعة الصيت إن المفاوضين الإيرانيين تفوقوا على "ترامب" في فن إبرام الصفقات، ربما تمامًا كما جعلوه يخسر الحرب.

وبالطبع ثمة مخاطر واردة قد تهدد اتفاق واشنطن مع إيران، وتطيح بالمفاوضات المقبلة وتعيد الحرب، لعل أهمها احتمال لجوء إسرائيل و"نتنياهو" إلى خرق اتفاق وقف النار على جبهة لبنان، وقد زاد الإيرانيون في الإلحاح على انسحاب قوات الاحتلال من الجنوب اللبناني بكامله، وحملت إيران "ترامب" مسؤولية كبح "نتنياهو"، وليس مؤكدًا أن ينجح "ترامب" في ردع "إسرائيل"، التي يفاخر دائمًا بأنه أوفى صديق لها في أمريكا، وربما يلجأ الإيرانيون ردًا على عجز "ترامب" إلى تكرار الهجمات الصاروخية الواسعة على كيان الاحتلال من الشمال إلى الوسط، والذهاب إلى حرب أوسع.

تم نسخ الرابط