و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

تصدى لـ12 حكم متناقض

جسد مأساة أسرة.. حكم قضائي من 10 سنوات يطالب بتعديل قوانين الأحوال الشخصية

موقع الصفحة الأولى

من أرشيف القضاء الإداري، نجد حكم قضائي صدر قبل 10 سنوات، من محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، الدائرة الأولى بحيرة، برئاسة المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجي، نائب رئيس مجلس الدولة، والذي تضمن دعوة صريحة للمشرع المصري لتعديل قانون الأحوال الشخصية، والتي مازال يتردد صداها حتى اليوم، مع الدعوة لتنقيح وتعديل القوانين المنظمة لشئون الأحوال الشخصية.

ويجسد الحكم مأساة أسرة تحولت إلى ساحة حرب ضروس، أبطالها مطلقة وطليقها، وطفلاهما، وهم الذين وجدوا أنفسهم عالقين في "دوامة أحكام" بلغت 12 حكما قضائيا منها 8 أحكام حضانة وولاية تعليمية، و4 أحكام مشاجرات عائلية.

وكشف الحكم أيضا عن صراع مرير، فالأم تربح الحضانة ثم تتزوج فتخسرها، لتنتقل إلى الجدات، حيث تتنازع الجدة للأم مع الجدة للأب، وتُتهم الأولى بالفشل الكلوي لإسقاط حضانتها، ثم تطلق الأم من زوجها الجديدة فتحصل على حكمين بالحضانة والولاية، حتى وصلت الإدارة التعليمية إلى حالة من العجز التام أمام الأب الذي أراد نقل ملفات الصغار من الإسكندرية إلى البحيرة نكاية في الأم، قائلة بأسى: "نحن في حيرة.. لدينا 12 حكماً متناقضا".

وهنا، يتدخل المستشار محمد عبد الوهاب خفاجي، لا بصفته قاضيا للنصوص فحسب، بل بصفته قاضياً للضمير. لم يكتفِ بالأوراق، بل استدعى الطفلين بعيدا عن صخب الخصوم. وفي جلسة إنسانية خاصة، انفجرت الحقيقة ببكاء الصغار في حضن أمهم، شاكين قسوة الأب وطالبين الأمان. فكان الحكم برفض تسليم الملفات للأب وإبقائها مع الأم، لكن الأهم كان "الحيثيات" التي وضعت يدها على الجرح الغائر في المجتمع.

5 مبادئ قانونية

واستعرض الحكم 5 مبادئ قانونية تُعد خارطة طريق لإصلاح قوانين الأحوال الشخصية، والمبدأ الأول هو رفض الكيد بالصغار، حيث أكدت المحكمة أن الولاية التعليمية يجب أن تكون بيد من يلتصق بالصغير في أدق تفاصيل حياته (الحاضنة)، وليس وسيلة لتحقيق مآرب انتقامية "يكيد بها البعض لبعض ظهيراً".  

وقالت المحكمة "الأصل أن المتنازعين على حضانة الصغار وما يتفرع عنها من ولاية الحاضن التعليمية يتعين أن يهيّئوا للصغير من أمره خيرا ورشدا، لا أن يتخذوا منه وسيلة لتحقيق مآرب لهم لا صلة لها بمصلحة الصغير يكيد بعضهم لبعض ظهيرا ، متخذين من هوى النفس نفيرا ، فتتحول حياة الصغير في ظلها عوجاً و أمتاً لذا فإن تحقيق مصلحة الصغير تقتضى ان تكون شئونه التعليمية بيد من التصق به فى كافة دقائق حياته اليومية وهى حاضنته رعاية وتربية بحكم الرابطة الإنسانية الفياضة التى اختصها الله عزوجل وأودعها قطبا للرحى بين الصغير وحاضنته".  

والمبدأ الثاني: التصدي لجمود الاجتهاد، فدعا الحكم إلى كسر قيود التقليد في التنظيم الأسري، مؤكداً أن الشريعة الإسلامية تتسع للاجتهاد والتطوير لمواكب العصر، وأنه يجوز الخروج عن مذهب إمام إلى آخر إذا وجدت فيه سعة تحقق مصلحة المجتمع.

وقالت المحكمة "يجب التصدى لظاهرة التقليد وشيوع إغلاق باب الاجتهاد الذى يؤدى إلى الجمود والركود فى مجال التنظيم الأسرى  فلا يجب ان يقتصر النشاط الفقهي على اجترار التراث الفقهي عن طريق شرحه واختصاره أو تنظيمه  من دون إضافة  بل يتعين على الدراسات الفقهية ان تشق طريقها نحو التجديد والتطوير ومواكبة روح العصر والتعبير عن بيئته ومشكلاته المختلفة تسايرا مع التطور الزمني، ذلك أن التجديد الصحيح هو الذى يؤدى إلى تقدم المعارف الإنسانية كما أن اختلاف المذاهب الفقهية في كثير من الأحكام والفروع له أسباب علمية وموضوعية اقتضت تقريرها وتعد هذه الثروة الفقهية التشريعية من نعم الله على الأمة الإسلامية  تجعلها  في سعة من أمر دينها وشريعتها، فلا تنحصر في تطبيق شرعي واحد , بل يجوز الخروج عن مذهب أحد الأئمة الفقهاء إلى غيره من المذاهب إذا وجدت في المذهب الآخر سعة ومرونة يحقق صالح المجتمع، والشريعة الإسلامية الغراء تحض على الاجتهاد فى غير أحكامها القطعية فى ثبوتها ودلالتها واستلهام مقاصد الشريعة الكلية".  

والمبدأ الثالث: عدم السماح بالنكاية في الحقوق التعليمية، وأن التناحر والكيد بين المطلقين يصيب نفسية الأطفال ورصدت المحكمة ظاهرة مريرة، وهي محاولة الآباء إلحاق الأطفال بمدارس أقل جودة أو في أماكن بعيدة لتعجيز الأم، ما يدمر نفسية الطفل ويعرضه للفشل الدراسي.

وقالت المحكمة "إن بعض من الأباء يتناحرون بعد الانفصال عن زوجاتهم بشأن اختيار النظام التعليمى للصغار اما نكاية فى الحاضنة أو اشعارها بالذل والهوان لإرغامها على التنازل عما يكون لها من حق فيتصارعون على سحب الملفات الدراسية للصغار – على نحو ما كشفت عنه الدعوى الماثلة - إما لنقلهم فى مدارس تقع خارج نطاق المحافظة المقيدين دراسيا بها لتكون بعيدة عن أعين الحاضنة لتعجيزها وإما لإلحاقهم بمدارس أقل مستوى فى تقديم خدمة التعليم وإما لتغيير مسار النظام التعليمى بأكمله بنظام تعليمى أخر أقل جودة ,ولا ريب أن هذا التصارع والتناحر فيه ما يؤثر على نفسية الطفل وتعريض حياته التعليمية لخطر الرسوب والتشتت والضياع , لذا فان بقاء الصغير مع حضانته للقيام بتربيته ورعايته وعلى القمة من تلك الرعاية شئونه التعليمية هو ما يحقق الصفاء النفسى للطفل".

والمبدأ الرابع تحدث عن تآكل بنيان الأسرة: ووصفت المحكمة حال الأسر المتهدمة بأنها تتحول إلى "سعير" يمتد أوزاره للأطفال، حيث يتم توظيف الصغار كأدوات للانتقام وتصفية الحسابات.

قالت المحكمة "إذا أضحى الخلاف بين الزوجين مستحكما وأصبح الشقاق بينهما عميقا وصار بنيان الأسرة متهادما وصرحها متداعيا ورباطها متأكلا يكاد ان يندثر وكان وقوع شقاق استفحل أمره بين الزوجين انحرافا من أحدهما أو كليهما عن مقاصد الزواج الذى كان من ثمرته إنجاب الأطفال ووقع الطلاق بينهما فإن صدعهما مازال غائرا يقيم بينهما جفوة فى المعاملة لا يكون العدل والاحسان قوامها بل يذكيها التناحر والتصارع فلا تكون حياتهما إلا سعيرا يمتد أوزاره إلى الأطفال، ولا يؤول أمر الأسرة إلا هشيما ولا يكون اُلفها ووفاقها إلا حسيرا , وكان خلافهما وإن صار عميقا ونزاعهما مستحكما لا يحول دون جهد يبذل من جانبهما أو من قبل عدول من أهلهما يسعيان بينهما معروف...  

كما أن واقع الحياة العملية كشف أنه بعد الطلاق بين الزوجين تحدث الكثير من المشكلات الاجتماعية حيث يتصارع الكثير من الأباء والأمهات بعد الانفصال على رعاية الأبناء الذين يتم توظيفهم في بعض الأحيان لانتقام أحد الطرفين من الآخر مما يتسبب في تدمير حياة الأطفال، فضلا عن التعسف والجفوة والمساومة من بعض الأزواج في أمور تتعلق بمصالح الأطفال في سحب ملفاتهم الدراسية من المدارس والذي يؤدى إلى حرمان بعض الأطفال المحضونين من حقوقهم المدنية".

أما المبدأ الخامس: فوجه نداء للمشرع المصري، عندما سجلت المحكمة خطورة إحصاءات الطلاق "المخيفة" في مصر، وأهابت بالمشرع ضرورة التدخل لسد الثغرات التي تسمح بالعنف الأسري وقهر المطلقات.

وقالت المحكمة "أن المحكمة يجب عليها ان تسجل خطورة المأساة التى يثيرها شطط كثير من الأباء وقسوتهم على الأمهات ويزيدها اشتعالا تدخل عائلة كل طرف منهما بما يعمق النزاع على الولاية التعليمية تظهر اثاره السيئة من مشكلات اجتماعية نتيجة للتصارع من الوالدين من ناحية والتناحر من عائلتهما من ناحية أخرى ورغبة كل فريق منهما فى استلام الملف المدرسي والحاق الصغير بمدرسة معينة تغاير رغبة الاخر إنما ترتبط بالأساس بحضانة الأطفال بعد الطلاق , بعد أن أصبح إحصاءات الطلاق في المجتمع المصرى بل والمجتمع العربى – ومصر قلبها النابض - مخيفا للغاية وفى تصاعد مستمر على نحو اضحى معه رعاية الأبناء تعليميا بعد الطلاق فى خطر , وإذ تعكس هذه المنازعة واقعًا مؤلمًا لما تعانيه المطلقات من صورٍ فادحة للعنف الأسري، وما يقترن به من تفريطٍ غير مقبول في حقوقهن وحقوق أبنائهن، بفعل تقاعس بعض الأزواج عن أداء التزاماتهم الشرعية والقانونية في نفقة الحضانة والرعاية والمسكن، فضلًا عما يكشف عنه الواقع من قسوة بعض النفوس وإهدارها لكرامة الزوجة وإهانتها، في مقابل تعنتٍ من بعض الزوجات واتخاذ الخصومة سبيلًا للكيد والإساءة، بما يجاوز حدود الحق إلى التعسف فيه، وهو ما يُنذر بتفكك الروابط الأسرية.  

قانون الأحوال الشخصية

وأهابت المحكمة بالمشرع أن يُعيد النظر في قانون الأحوال الشخصية، تطويرًا لآلياته، وسدًا لثغرات تطبيقه، بما يواكب ما طرأ على النفوس من تحولات، ويضع من الضوابط ما يكفل ردع هذا الانحراف، وصون كرامة الإنسان داخل الأسرة، وحماية حقوق الصغار، وإقامة ميزان العدالة على وجهه القويم , خاصة وانه يتم توظيفهم في بعض الأحيان لانتقام أحد الطرفين من الآخر مما يتسبب في إصابتهم بأمراض نفسية واضطرابات القلق والاكتئاب والتشتت النفسي والشعور بالضياع وفقدان أحد الوالدين وبعدم الأمان وفقدان الثقة بمن حولهم وهي الثقة التي يصعب استعادتها مستقبلا , فضلا عن المشكلة الأهم وهى التخلف الدراسي – وهو ما كشفت عنه الدعوى الماثلة - ويظل مصير هذا التخلف دراسيا هو أكبر مأساة نتيجة للتصارع والتناحر بين الأباء والأمهات بعد الطلاق ويؤدى إلى تدمير حياة الأطفال".

وحذر الحكم من اضطرابات القلق، الاكتئاب، وفقدان الثقة التي ستصيب جيلاً كاملاً من أطفال الشقاق. مرت عشر سنوات، وتضاعفت الأرقام، وتفاقمت المآسي، وعاد المجتمع اليوم ليبحث عن ذات الحلول التي طُرحت في هذا الحكم التاريخي.

1
1
2
2
3
3
4
4
5
5
6
6
7
7
8
8
9
9
10
10
11
11
12
12
13
13
14
14
15
15
16
16
17
17
18
18
تم نسخ الرابط