و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

منذ الوهلة الأولى يلفت عنوان مسلسل «كان يا ما كان» الانتباه، فهو عنوان يحمل دلالة سردية راسخة في الذاكرة العربية؛ إذ ارتبطت هذه العبارة ببدايات الحكايات التي تُروى للأجيال، غير أن العمل لا يستخدمها بوصفها مدخلًا لحكاية خيالية بقدر ما يجعل منها مفتاحًا لواقع يعيشه المجتمع بكل ما يحمله من تعقيدات إنسانية وأسئلة اجتماعية ملحّة.

وتأتي أغنية «كان يا ما كان» من كلمات وألحان الراحل بليغ حمدي لتضفي بعدًا رمزيًا لافتًا على العمل، وكأنها تؤكد منذ البداية أن الحكاية المطروحة لا تنتمي إلى زمن بعينه، فالقضايا التي يتناولها المسلسل، وعلى رأسها العلاقات الأسرية وما قد يعتريها من تصدعات، تظل قضايا إنسانية تتكرر عبر الأزمنة، وتبقى حاضرة في حياة البشر مهما تبدلت الظروف.

في هذا السياق يقدّم العمل وقفة تأملية أمام ظاهرة الطلاق وما قد تخلّفه من آثار نفسية واجتماعية، في رحلة درامية تتوغل داخل النفس البشرية، كاشفةً ما فيها من ترددات وصراعات وتناقضات، وقد نجحت الكاتبة شيرين دياب في تقديم نص درامي واقعي محمّل بتفاصيل نفسية دقيقة، حيث تتنقل الشخصيات 

بين لحظات التعاطف والرفض، في بناء درامي يجعل المشاهد شريكًا في التأمل والتفكير لا مجرد متلقٍ للأحداث، فالعمل لا يقدّم أحكامًا جاهزة بقدر ما يطرح أسئلة إنسانية عميقة حول الأخطاء التي قد يقع فيها الإنسان، والعواقب التي قد تمتد آثارها لتطال الأسرة بأكملها.

ولعل اختيار نهاية مفتوحة يعكس وعيًا دراميًا لدى صُنّاع العمل بطبيعة القضية المطروحة؛ فالمسلسل لا يسعى إلى الانحياز لطرف على حساب آخر، بل يطرح القضية بقدر من التوازن والهدوء، تاركًا للمشاهد مساحة للتفكير وإعادة النظر في كثير من المسلّمات، وهي مقاربة تبدو ضرورية في مجتمع يواجه تحديات متزايدة تتعلق بتماسك الأسرة وحماية الأجيال القادمة.

الأداء التمثيلي

على مستوى الأداء التمثيلي، يضيف النجم ماجد الكدواني بخبرته وثقله الفني بُعدًا إنسانيًا عميقًا للشخصية، مستندًا إلى تاريخ طويل من الأعمال التي عُرفت بقدرتها على ملامسة قضايا المجتمع من زاوية إنسانية صادقة، أما يسرا اللوزي فتقدّم أداءً متماسكًا يعكس تعقيدات الشخصية وتقلباتها النفسية، فتقدّم شخصية تحمل تركيبات نفسية متداخلة ومضطربة تعكس حالة من التخبط الداخلي والصراع.

ويأتي إخراج كريم العدل معتمدًا على لغة بصرية هادئة وكادرات محسوبة بعناية، استطاع من خلالها توظيف عناصر الصورة لخدمة الحالة الدرامية دون افتعال، ليقدّم عملًا متماسكًا بصريًا ودراميًا يعزّز حضور الفكرة ويمنحها عمقها الإنساني.

وفي النهاية، لا يسعى «كان يا ما كان» إلى تقديم حكاية عابرة، بل يطرح تجربة درامية تحاول أن تفتح باب الوعي أمام المشاهد، وأن تذكّره بأن وراء كل قرار إنساني حكاية، قد تبدأ ببساطة بعبارة «كان يا ما كان»، لكنها في الواقع قد ترسم مصير أسرة كاملة.

تم نسخ الرابط