بعد الصدمة الإقليمية الأخيرة
صندوق النقد يحدد «روشتة» صمود الاقتصاد باستمرار مرونة الصرف وتمكين القطاع الخاص
أكد أمين ماطي، رئيس بعثة صندوق النقد الدولي في مصر، أن الاقتصاد المصري أظهر مرونة فائقة في مواجهة الصدمات الإقليمية والخارجية بفضل مرونة سعر الصرف وسرعة استجابة السياسات النقدية. ورغم استمرار التحديات الهيكلية المتمثلة في الدين العام والاحتياجات التمويلية، حافظت مؤشرات النمو على قوتها مع استقرار الاحتياطيات الدولية لمصر.
وأوضح أن الاقتصاد المصري أظهر قدرة أكبر على امتصاص تداعيات الحرب في الشرق الأوسط مقارنة بموجات الاضطراب السابقة، مدعوماً بمرونة سعر الصرف وتحسن الاحتياطيات الدولية وسرعة استجابة السلطات، فيما يظل ارتفاع الدين وضخامة الاحتياجات التمويلية والحضور الواسع للدولة في الاقتصاد من أبرز مصادر المخاطر.
وبحسب رئيس بعثة صندوق النقد الدولي ، دخلت مصر الصدمة الإقليمية الأخيرة من مركز اقتصادي أقوى نسبيا، بعدما أسهمت سياسات الاستقرار المنفذة ضمن برنامج صندوق النقد في دعم النمو وخفض التضخم وتعزيز الاحتياطيات وتحسين صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك.
وأشار إلى أن الاحتياطيات الدولية بلغت 64 مليار دولار بنهاية يناير 2026، بما يعادل نحو 119% من مقياس كفاية الاحتياطيات لدى صندوق النقد، فيما سجل صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك التجارية مستوى قياسياً.
وتعرضت هذه الهوامش لاختبار سريع مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، إذ أدت موجة خروج لرؤوس الأموال إلى هبوط حيازات غير المقيمين من أدوات الدين الحكومي بالعملة المحلية من 39.1 مليار دولار في فبراير إلى 22.2 مليار دولار في مطلع أبريل.
وقال أنه تحت ضغط التدفقات الخارجة، فقد الجنيه المصري نحو 14% إلى 17% من قيمته، لكن السلطات أبقت سعر الصرف مرناً، ما سمح للعملة بأداء دور «ممتص الصدمات»، بالتزامن مع تعديل أسعار الطاقة بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية، وضبط الإنفاق، وتوسيع الدعم الموجه إلى الفئات المستحقة.
تعافى قناة السويس
وأضاف رئيس بعثة صندوق النقد الدولي أنه مع انحسار الاضطرابات الإقليمية، عادت تدفقات استثمارات الحافظة، واقتربت حيازات المستثمرين الأجانب من مستوياتها السابقة للصراع، فيما استعاد الجنيه جانباً كبيراً من خسائره الأولية، وهو ما يشير تحول في آلية امتصاص الصدمات الخارجية، إذ أتاحت مرونة سعر الصرف تمرير جزء من الضغوط عبر الأسعار بدلاً من الدفاع عن مستوى محدد للعملة باستنزاف الاحتياطيات.
وقال أن اضطرابات الأسواق المالية لم تنتقل إلى انكماش واسع في النشاط الاقتصادي، حيث نما الناتج المحلي الإجمالي 5% في الربع الثالث من السنة المالية 2025-2026، بينما حافظ قطاع السياحة على صموده، وسجلت تحويلات المصريين العاملين في الخارج مستويات قياسية.
وأكد أن قناة السويس واصلت تعافيها التدريجي بعد اضطرابات مؤقتة مرتبطة بالتوترات الإقليمية، لافتا غلى أن التضخم ارتفع بفعل انخفاض الجنيه وزيادات أسعار الطاقة، لكن الزيادة جاءت أقل حدة من المتوقع، رغم أن الصدمة أخرت العودة إلى مستهدف التضخم بنحو عام.
ورغم تحسن قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات، أكد رئيس بعثة صندوق النقد الدولي أن مواطن الضعف الهيكلية لا تزال قائمة، وفي مقدمتها ارتفاع الدين العام وضخامة الاحتياجات التمويلية، إلى جانب اعتماد جزء كبير من التمويل على آجال استحقاق قصيرة وارتفاع انكشاف البنوك على الدين الحكومي.
وتوقع أمين ماطي أن يظل إجمالي الاحتياجات التمويلية عند نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي في الأجل القريب، قبل تراجعه تدريجياً إلى أقل من 30% بحلول 2030، ما يجعل الاقتصاد حساساً لتحولات شهية المستثمرين وأسعار الفائدة والسيولة العالمية، كما قد تؤدي الاحتياجات التمويلية الحكومية الكبيرة إلى مزاحمة القطاع الخاص على الائتمان، والحد من قدرته على زيادة الاستثمار وخلق الوظائف.
وشدد على أن الحفاظ على المكاسب يتطلب استمرار مرونة سعر الصرف والانضباط المالي، وتحسين إدارة الدين، إلى جانب تسريع سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج من الأصول الحكومية، وتحسين حوكمة الشركات المملوكة للدولة وتعزيز المنافسة، بما يقلص بصمة الدولة ويفسح مساحة أكبر أمام الاستثمار الخاص.








