الأدلة الرقمية
من البلاغ إلى المحاكمة.. النيابة العامة ترسم مسار مواجهة جرائم الاحتيال الإلكتروني
لم تعد جرائم الاحتيال الإلكتروني مجرد وقائع نصب تقليدية تُرتكب عبر وسائل الاتصال، بل أصبحت من الجرائم التي تتشابك فيها الأدلة الرقمية مع التحويلات المالية والحسابات الإلكترونية وبيانات الهواتف، بما يفرض تحديات متزايدة أمام جهات التحقيق في كشف ملابساتها وتحديد المسؤولين عنها، وصولًا إلى إحالة المتهمين من قبل النيابة العامة للمحاكمة وفقًا لما تسفر عنه التحقيقات.
وفي هذا السياق، تمثل النيابة العامة حلقة أساسية في مسار التعامل مع تلك الجرائم، بدءًا من تلقي البلاغات وفحص الأدلة، مرورًا بسماع أقوال المجني عليهم والمتهمين، وصولًا إلى اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، في ضوء الأدلة المتاحة وظروف كل واقعة.
وتتطلب طبيعة الاحتيال الإلكتروني التعامل مع تفاصيل فنية قد لا تظهر في البلاغ الأولي، إذ يمكن أن تمتد الواقعة إلى حسابات متعددة أو وسائل دفع إلكترونية أو بيانات جرى استخدامها في التواصل مع الضحايا، وهو ما يجعل جمع الأدلة وفحصها من قبل النيابة العامة عنصرًا محوريًا في بناء ملف القضية.
تبدأ إجراءات التعامل مع جرائم الاحتيال الإلكتروني من خلال البلاغ الذي يتقدم به المجني عليه إلى الجهات المختصة، موضحًا تفاصيل الواقعة خلال تحقيقات النيابة العامة وما تعرض له من استيلاء على أموال أو استغلال لبياناته أو خداع عبر إحدى الوسائل الإلكترونية.
وتكتسب المستندات والبيانات التي يقدمها المبلغ إلى النيابة العامة أهمية في توضيح صورة الواقعة، ومن بينها الرسائل المتبادلة، وبيانات التحويلات المالية، وأرقام الهواتف والحسابات المستخدمة، إلى جانب أي مستندات أو قرائن أخرى يمكن أن تساعد في تحديد هوية مرتكب الجريمة.
ولا يتوقف مسار التحقيق عند أقوال المجني عليه، إذ يتطلب الأمر فحص مدى ارتباط الأدلة بالواقعة، والتحقق من صحتها، وتحديد دور كل شخص يشتبه في صلته بها، بما يساعد على التمييز بين صاحب الحساب المستخدم في الجريمة وبين المسؤول الفعلي عن ارتكابها، وفقًا لما تكشف عنه التحقيقات.
الأدلة الرقمية.. كلمة السر في كشف ملابسات الواقعة
يمثل الدليل الرقمي أحد العناصر المهمة في التحقيق بجرائم تقنية المعلومات، خاصة مع اعتماد بعض الوقائع على استخدام حسابات التواصل الاجتماعي، أو المواقع الإلكترونية، أو وسائل الدفع والتحويل الإلكتروني.
ونظم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 الإطار القانوني للتعامل مع هذه الأدلة، حيث نصت المادة 11 على أن الأدلة المستمدة من الأجهزة والأنظمة والوسائط الإلكترونية تكون لها قيمة وحجية الأدلة الجنائية المادية في الإثبات، متى استوفت الشروط الفنية المقررة.
وتختلف صورة الاحتيال الإلكتروني من واقعة إلى أخرى؛ فقد ترتبط بعض القضايا بالاستيلاء على أموال باستخدام بيانات بطاقات الدفع، بينما تتصل وقائع أخرى بانتحال الصفات أو إنشاء حسابات إلكترونية مزيفة أو استخدام وسائل تقنية المعلومات للإيقاع بالضحايا.
ويعالج القانون رقم 175 لسنة 2018 عددًا من صور الاعتداء المرتبطة بوسائل الدفع الإلكتروني، كما يتضمن أحكامًا تتعلق باصطناع الحسابات والمواقع ونسبتها زورًا إلى أشخاص أو جهات، مع اختلاف العقوبات بحسب طبيعة الفعل والظروف المحيطة به.
وتظل عملية تحديد الوصف القانوني للواقعة مرتبطة بما تسفر عنه التحقيقات من أدلة وقرائن، إذ لا يكفي مجرد استخدام وسيلة إلكترونية لاعتبار كل واقعة جريمة من النوع ذاته، وإنما يتعين تحديد الفعل المرتكب ومدى انطباق النصوص القانونية عليه.
لا تعني إحالة المتهم إلى المحاكمة ثبوت إدانته، وإنما تمثل مرحلة إجرائية تتيح للمحكمة المختصة نظر الاتهامات والأدلة المطروحة، والاستماع إلى دفاع المتهم، ثم الفصل في الدعوى وفقًا للقانون.
وتتحدد الإجراءات التي تتخذها النيابة العامة بحسب طبيعة كل قضية وما يتوافر فيها من أدلة، كما تختلف الاتهامات والعقوبات المحتملة باختلاف الأفعال المنسوبة إلى المتهمين والنصوص القانونية المنطبقة عليها.
ومن هنا، فإن التعامل مع جرائم الاحتيال الإلكتروني لا يقتصر على ضبط المتهم أو استرداد الأموال محل الواقعة، بل يمتد إلى بناء ملف قانوني متكامل يوضح كيفية ارتكاب الجريمة، والأدلة الداعمة للاتهام، ومدى مسؤولية كل طرف، وصولًا إلى عرض القضية على القضاء للفصل فيها.
بالتوازي مع الإجراءات القانونية، تظل الوقاية من الاحتيال الإلكتروني مرتبطة بوعي المواطنين بأساليب الخداع المتداولة، وعدم الإفصاح عن البيانات السرية أو أرقام التحقق الخاصة بالحسابات، والتحقق من هوية الجهات التي تطلب تحويل الأموال أو الحصول على بيانات مصرفية.
