حكم حاسم من «النقض» يجيب :
هل يجوز فسخ العقد لعدم سداد المشتري باقي الثمن متعللاً بعدم توصيل المرافق؟
تقدم الأحكام القضائية الصادرة عن محكمة النقض دروسا قانونية وقضائية، في توازن الالتزام التعاقدي بين أطراف العقود العقارية، ووضع الحدود بين الحقوق والالتزامات المالية والإنشائية، وهو ما كشفت عنه تفاصيل الحكم الصادر في الطعن رقم 18268 لسنة 94 قضائية، والذي سلط الضوء على الأبعاد المالية والإجرائية لنزاعات فسخ عقود البيع، مؤكدا أن إخلال البائع بالتزاماته الجوهرية يمنح المشتري حقا قانونيا في وقف سداد باقي الثمن دون أن يعد ذلك حجة لفسخ العقد.
وتبدأ تفاصيل الطعن أمام دائرة السبت أ المدنية في محكمة النقض، من الدعوى المقيدة برقم 2830 لسنة 2021 مدني محكمة حلوان الابتدائية، والتي أقامها الورثة المطعون ضدهم، ضد المشتري الطاعن، واعتمدت الدعوى في مطالباتها على طلب فسخ عقد البيع المؤرخ 1 مايو 2016 لامتناع المشتري عن سداد أقساط ثمن الشقة السكنية المبينة المعالم بالصحيفة.
وبحسب تفاصيل العقد، بلغت القيمة الإجمالية لثمن الشقة 450000 جنيه ، سدد منها المشتري عند التعاقد مبلغ 150000 جنيه ، بينما اتفق الطرفان على جدولة المبلغ المتبقي عبر 5 أقساط بقيمة 50000 جنيه لكل قسط، وتوزعت تواريخ استحقاق الأقساط الخمسة على الاستحقاقات التالية: 10 أغسطس 2016، 10 يناير 2017، 10 يوليو 2017، 10 يناير 2018، و10 يوليو 2018.
ورغم إنذار المشتري بسداد القسط الأول المستحق في 10 أغسطس 2016، توقف الأخير عن الدفع، وهو ما دفع المطعون ضدهم للجوء إلى القضاء، وفي 22 أغسطس 2023، حكمت المحكمة الابتدائية بفسخ العقد وإخلاء الشقة وتسليمها للورثة بناء على تقرير الخبير.
حكم الاستئناف
ومع الطعن على الحكم أمام محكمة استئناف القاهرة بالاستئناف رقم 18124 لسنة 140 قضائية، قضت المحكمة بجلستها المنعقدة في 2 أبريل 2024 بتأييد الحكم المستأنف، وأدى ذلك بالمشتري إلى إيداع طعن بالنقض بتاريخ 29 مايو 2024، وأعلن المطعون ضدهم بالطعن في 9 يوليو 2024. وأودعت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن، قبل أن تعرض القضية على محكمة النقض بغرفة مشورة في 14 مارس 2026 وتحدد جلسة 11 أبريل 2026 لنظره.
وتركز دفاع المشتري الطاعن أمام محكمة النقض على القصور في التسبيب والخطأ في تطبيق القانون بحكم الاستئناف، وتلخصت دفاعاته في أن مورث المطعون ضدهم البائع أخلوا بالتزاماتهم التعاقدية من خلال تسليم العقار ناقصا دون توصيل المرافق الأساسية، وهو ما اضطر المشتري لإنفاق مبالغ مالية من حسابه الخاص لتوصيل المرافق وعمل التصالح الخاص بالمخالفات لعدم وجود ترخيص.
وأوضح الطاعن أنه لم يتسلم أي مخالصة مالية من البائع بشأن تلك المصروفات، وهو ما أتاح له الحق القانوني في إيقاف سداد باقي أقساط الثمن استنادا إلى الدفع بعدم التنفيذ، واعتبر الدفاع أن التفات محكمة الموضوع عن تمحيص تقرير الخبير للوقوف على مدى اكتمال المرافق والمصعد الكهربائي وقت التسليم يشكل إخلالا صريحا بحق الدفاع.
واستندت المحكمة إلى المادة 161 من القانون المدني، وتنص المادة على أنه في العقود الملزمة للجانبين، إذا كانت الالتزامات المتقابلة مستحقة الوفاء، يحق لأحد المتعاقدين أن يمتنع عن تنفيذ التزامه إذا لم يقم المتعاقد الآخر بتنفيذ التزامه المقابل.
وأكدت المحكمة في أسباب حكمها أن امتناع المشتري عن الوفاء بالثمن في هذه الحالة يعد استخداما مشروعا للحق وليس خطأ تعاقديا، إذ يحق للمشتري حبس باقي الثمن لحين وفاء البائع بالتزاماته الإنشائية والمرفقية، وأشارت إلى أن الحكم المطعون فيه أغفل هذا الدفاع الجوهري واكتفى القاضي بإيراد أن الأوراق خلت من مستندات تؤيد موقف الطاعن دون بحث حقيقة التسليم وظروفه.
وأصدرت محكمة النقض حكمها بجلستها العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة ، يوم 11 أبريل 2026 ميلادية، في الطعن المقيد برقم 18268 لسنة 94 قضائية، وقضت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية إلى محكمة استئناف القاهرة، وألزمت المطعون ضدهم بالمصروفات القضائية، ومبلغ 200 جنيه مصري مقابل أتعاب المحاماة.











