و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

أمام الأمم المتحدة

أجواء ملغومة بخطاب نتنياهو.. انسحاب 76 دولة ويصفهم بالجبناء و"العفو" تطالب بتسليمه

موقع الصفحة الأولى

لم يكن خطاب رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الخميس، مجرد كلمة سياسية عادية، بعدما سبقت صعوده إلى منصة المنظمة الدولية واحدة من أكثر مشاهد الاحتجاج الدبلوماسي وضوحًا خلال اجتماعات الجمعية العامة، مع مغادرة عشرات الوفود قاعة الاجتماع، بينما كان نتنياهو يستعد لإلقاء كلمته.
وبحسب إحصاء إسرائيلي نشرته وسائل إعلام إسرائيلية، بلغ عدد الوفود التي كانت غائبة عن القاعة أو غادرتها مع بداية خطاب نتنياهو 77 وفدًا، من بينها مصر والسعودية والأردن ولبنان وسوريا والعراق وقطر والكويت وعُمان وتركيا وإيران وإسبانيا والبرازيل وجنوب أفريقيا وأيرلندا وماليزيا وإندونيسيا وعدد كبير من الدول الأفريقية والآسيوية ودول أمريكا اللاتينية.

ولم تمر لحظة الانسحاب بهدوء، إذ بدا المشهد داخل القاعة لافتًا مع تحرك ممثلي الدول نحو الخارج، في وقت واصل فيه نتنياهو طريقه إلى المنصة، وعندما بدأ خطابه، وصف رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي الوفود التي غادرت بأنها «جبناء أخلاقيًا»، ودعا من يتبنى موقفها إلى مغادرة القاعة قبل أن يبدأ حديثه.
وجاءت الواقعة في ظل تصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل بسبب حرب غزة، إلى جانب اتساع الخلافات بشأن العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، بما في ذلك المواجهة مع إيران.

خطاب تحت ضغط الاحتجاج

حاول نتنياهو خلال كلمته تقديم روايته للأحداث الإقليمية والدفاع عن السياسات العسكرية الإسرائيلية، مركزًا على إيران وحلفائها، ومؤكدًا أن إسرائيل تواجه تهديدات من إيران وحزب الله وحماس والحوثيين.
وفي واحدة من أبرز رسائله، تحدث نتنياهو عن الهجمات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، وقال إن تدمير المنشآت النووية الإيرانية كان قرارًا صعبًا من الناحية التنفيذية، لكنه كان بالنسبة إليه من «أسهل القرارات» التي اتخذها.
كما وجّه انتقادات حادة إلى دول غربية اتهمها بالاستعمار، قائلًا إن بريطانيا وفرنسا مارستا الاستعمار في أنحاء واسعة من العالم، في محاولة للرد على الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل بشأن الاحتلال والاستيطان.
وفي الملف السوري، وجّه نتنياهو رسالة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، متحدثًا عن الوجود اليهودي في هضبة الجولان، في سياق دفاعه عن المطالب الإسرائيلية المتعلقة بالمنطقة.
كما أشاد بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واعتبره «أكبر شريك» لإسرائيل، مشيرًا إلى أن ترامب واجه ما وصفه بالخطر الإيراني.
ولم يخلُ الخطاب من مواجهة مباشرة مع عمدة نيويورك زهران ممداني، الذي كان قد انتقد نتنياهو بشدة بسبب الحرب في غزة. وقال نتنياهو مخاطبًا ممداني إنه حاول منعه من الوصول إلى نيويورك، لكنه حضر إلى المدينة وإلى مقر الأمم المتحدة «لقول الحقيقة». وكانت الخلافات بين الرجلين قد تصاعدت قبل انعقاد الجمعية العامة، بعدما أعلن ممداني مواقف شديدة الانتقاد لنتنياهو وسياسات الحكومة الإسرائيلية.

احتجاجات في نيويورك

ولم تقتصر الاحتجاجات على أروقة الأمم المتحدة، إذ شهدت نيويورك تحركات احتجاجية بالتزامن مع زيارة نتنياهو.
وفي منطقة «يونيون سكوير»، تجمع إسرائيليون ويهود أمريكيون معارضون لسياسات الحكومة الإسرائيلية، ورفع المحتجون لافتة كتب عليها: «نتنياهو.. انتهى وقتك». كما نظم ناشطون إسرائيليون معارضون للحكومة احتجاجًا للمطالبة بالتغيير السياسي في إسرائيل.
وكان من بين المشاركين في التحركات شخصيات وأسر مرتبطة بأحداث السابع من أكتوبر 2023، في مشهد يعكس أن الجدل حول نتنياهو لا يقتصر على خصوم إسرائيل أو على الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين، وإنما يمتد أيضًا إلى قطاعات من الإسرائيليين واليهود في الولايات المتحدة. وقد أكدت تقارير إسرائيلية وجود سلسلة من الاحتجاجات المختلفة في نيويورك خلال زيارة نتنياهو.
وفي الوقت نفسه، شهد محيط مقر الأمم المتحدة احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين، فيما اتخذت السلطات الأمريكية إجراءات أمنية واسعة بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي.

مذكرة اعتقال نتنياهو


على الجانب الحقوقي، دخلت منظمة العفو الدولية على خط الجدل، مركزة على مذكرة الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو من المحكمة الجنائية الدولية.
وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في نوفمبر 2024 مذكرة اعتقال بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف جالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سياق الحرب في غزة. وهذه اتهامات قانونية لا تعني صدور حكم نهائي بالإدانة.
وانتقدت منظمة العفو الدولية، بالتزامن مع وجود نتنياهو في نيويورك، ما اعتبرته تجاهلًا لمبدأ المساءلة الدولية، خاصة في ظل استمرار الولايات المتحدة في استضافة اجتماعات الجمعية العامة ورفضها تنفيذ مذكرة الاعتقال، فضلًا عن منع وفد فلسطيني رفيع المستوى من الحصول على تأشيرات للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة.
وكانت المنظمة قد انتقدت بالفعل في 17 سبتمبر قرار وزارة الخارجية الأمريكية منع وفد فلسطيني رفيع المستوى، بمن في ذلك الرئيس محمود عباس، من حضور الدورة الـ81 للجمعية العامة، معتبرة أن القرار يقوض منظومة العدالة الدولية.
وبذلك وجد نتنياهو نفسه أمام مشهد دبلوماسي وسياسي شديد التوتر: وفود تغادر القاعة، واحتجاجات في شوارع نيويورك، وانتقادات من منظمات حقوقية، في مقابل خطاب إسرائيلي يسعى إلى الدفاع عن العمليات العسكرية وتقديمها باعتبارها إجراءات ضرورية لحماية إسرائيل.
وبينما حاول نتنياهو تحويل مشهد الانسحاب إلى مناسبة لمهاجمة خصومه ووصفهم بـ«الجبناء أخلاقيًا»، فإن الصور التي خرجت من قاعة الجمعية العامة أصبحت في حد ذاتها جزءًا أساسيًا من المشهد السياسي المحيط بخطابه، لتكشف حجم الانقسام الدولي حول الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية في المنطقة، وتضع قضية المساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية مرة أخرى في قلب النقاش الدولي.

تم نسخ الرابط