أكثر من 1.6 مليون طفل في سوق العمل
تشريح ظاهرة "عمالة الاطفال" بين الظروف الاقتصادية والقانون.. خبير إجتماعى يكشف المأساة
لا يزال مشهد عمالة الأطفال العاملين في المهن المختلفة والأعمال العشوائية حاضرًا في الشوارع المصرية، بعدما تحولت عمالة الأطفال إلى ظاهرة تتكرر في الورش والمزارع والميادين، إذ قد ترى طفلًا يمسك بأدوات تفوق قدرته الجسدية، أو آخر يستقل سيارة ربع نقل مع الساعات الأولى من الصباح متجهًا إلى مزرعة تبعد عشرات الكيلومترات عن منزله.
ولا تقتصر خطورة الظاهرة على حرمان الأطفال من طفولتهم، وإنما تمتد آثارها إلى التعليم والصحة ومستقبل سوق العمل، خاصة في المجتمعات التي تعاني من الفقر والبطالة وضعف البنية التحتية وتراجع مستويات التعليم والحماية الاجتماعية.
وتشير تقارير دولية إلى أن انتشار عمالة الأطفال يرتبط بصورة وثيقة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الهشة، إذ تدفع الظروف المعيشية الصعبة بعض الأسر إلى الاعتماد على أبنائها كمصدر إضافي للدخل. وفي المقابل، يؤدي خروج الطفل المبكر إلى سوق العمل إلى تقليص فرصه في التعليم واكتساب المهارات، فضلًا عن تعرضه لمخاطر تهدد صحته الجسدية والنفسية، بما ينعكس في النهاية على جودة رأس المال البشري ومعدلات التنمية.
وضع قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 ضوابط واضحة لتشغيل الأطفال، إذ يحظر تشغيل الطفل قبل بلوغه سن 15 عامًا، كما يشدد على حظر تشغيل الأطفال في الأعمال والمهن الخطرة.
لكن رغم الإطار التشريعي، تظل مواجهة الظاهرة مرتبطة بقدرة الدولة على معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الأسر إلى إرسال أبنائها للعمل، وهو ما جعل مكافحة عمالة الأطفال جزءًا من جهود الدولة في ملف التنمية المستدامة والحماية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، أطلقت الدولة عام 2018 الخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال ودعم الأسرة، واستمرت الخطة حتى عام 2025، مستهدفة الحد من الظاهرة وتعزيز حماية الأطفال والأسر الأكثر احتياجًا.
6 محاور لمواجهة الظاهرة
اعتمدت الخطة الوطنية على ستة محاور استراتيجية رئيسية، شملت تعزيز المعرفة بظاهرة عمل الأطفال، وتطوير وتنسيق الأطر التشريعية والمؤسسية لمواجهتها، إلى جانب تعزيز آليات الرصد والحماية والوقاية وبناء القدرات الفنية للجهات المعنية.
كما تضمنت الخطة دعم ممارسات الوقاية والحماية، وتعزيز التدريب والتدرج المهني، إلى جانب رفع مستوى الوعي والتعبئة المجتمعية لمواجهة الظاهرة.

وبحسب آخر مسح قومي حول عمل الأطفال أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2010، بلغ عدد الأطفال المنخرطين في العمل نحو مليون و600 ألف طفل، فيما أشارت بيانات المسح إلى أن نحو 80% منهم يعملون في أسوأ أشكال عمالة الأطفال.
وتبدأ أعمار بعض هؤلاء الأطفال من 5 إلى 7 سنوات، بينما يتركز جزء كبير منهم في قطاع الزراعة، مع ارتفاع أعداد العاملين من الأطفال في بعض المحافظات، ومنها الإسماعيلية، خلال مواسم الحصاد.
جناة أم ضحايا؟
وحول الأسباب التي تقف وراء استمرار الظاهرة، يرى حسن الخولي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن الفقر يأتي في مقدمة العوامل التي تدفع الأسر إلى تشغيل أبنائها.
وقال الخولي لـ"الصفحة الأولى" إن كثيرًا من الأسر التي تدفع بأطفالها إلى سوق العمل لا يمكن التعامل معها باعتبارها "جانية" بالمعنى المباشر، وإنما تعاني ضغوطًا اقتصادية قاسية تدفعها إلى إخراج الطفل من المدرسة والبحث عن مصدر دخل إضافي للأسرة.
وشدد أستاذ علم الاجتماع على أهمية أن تتعامل الجهات المعنية مع المشكلة من جذورها، معتبرًا أن مجرد ضبط الطفل داخل ورشة أو موقع عمل وسحبه منه لا يمثل حلًا كاملًا للظاهرة.
وأوضح أن التدخل يجب أن يمتد إلى أسرة الطفل نفسها، من خلال بحث ظروفها الاقتصادية والاجتماعية، والتأكد من حصولها على برامج الدعم والحماية الاجتماعية، ومنها معاش "تكافل وكرامة"، إلى جانب بحث إمكانية توفير فرص تدريب مهني للوالدين بما يساعد على زيادة دخل الأسرة وتقليل اعتمادها على عمل الأطفال.

وأشار الخولي إلى أن مسؤولية مواجهة عمالة الأطفال لا تقع على عاتق الأسرة وحدها، وإنما يشترك فيها عدد من أطراف المجتمع، موضحًا أن استمرار الظاهرة يرتبط بوجود أصحاب أعمال يستقطبون الأطفال باعتبارهم عمالة منخفضة التكلفة، إلى جانب بعض المتعاملين مع الأطفال في الشوارع ووسائل النقل وإشارات المرور.
وأكد أن التعامل مع الطفل العامل باعتباره مصدرًا للحصول على خدمة أو سلعة دون النظر إلى ظروفه، قد يسهم بصورة غير مباشرة في استمرار الظاهرة، وهو ما يجعل مواجهة عمالة الأطفال مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود الحكومة والأسرة وأصحاب الأعمال والمجتمع المدني والمواطنين.
وتبقى المعركة الحقيقية ضد عمالة الأطفال مرتبطة بما هو أبعد من تطبيق القانون؛ إذ تبدأ من معالجة الفقر، ودعم الأسر الأكثر احتياجًا، وضمان استمرار الأطفال في التعليم، وخلق بدائل اقتصادية للأسر، حتى لا يصبح الطفل مضطرًا للاختيار بين مقعد الدراسة ولقمة العيش.








