قوة حكم صحة التوقيع
شهادة الشهود والقرائن تكفي.. حكم حاسم للنقض يحمي المتعاملين عند ضياع العقود
أرست محكمة النقض مبدأ قانونيا مهما من خلال حكمها في الطعن رقم 3246 لسنة 88 ق، يرسخ قاعدة أن "ضياع العقد لا يعني ضياع الحق"، وأجازت المحكمة إثبات واقعة البيع بـ شهادة الشهود والقرائن متى فُقد العقد الأصلي لسبب أجنبي لا يد للمشتري فيه.
واستندت محكمة النقض إلى المادة (63) من قانون الإثبات، التي تجيز اللجوء إلى شهادة الشهود والقرائن كبديل للسند الكتابي في حال فقده قهراً أو لسبب خارج عن إرادة الدائن.
ولكن هذا الإجراء يتطلب إثبات أمرين أساسيين، أن العقد كان موجوداً بالفعل تحت يد المشتري، وأن الفقدان حدث نتيجة قوة قاهرة أو سبب أجنبي.
كما اعتبرت المحكمة أن تقديم مستندات مثل صورة من حكم "صحة توقيع" متعلق بالعقد، وإيصالات مرافق (مثل الكهرباء) باسم المشتري، يشكل قرائن قوية تدعم صحة وجود العقد وتمنع ضياع الحق، ولذلك نقضت محكمة النقض حكم محكمة الموضوع التي رفضت سماع شهادة الشهود بحجة عدم وجود العقد المادي، مؤكدة أن ضياع الورقة لا يمنع المحكمة من بحث توافر شروط وأركان العقد من خلال وسائل الإثبات الأخرى.
وتمثلت وقائع الطعن رقم 3246 لسنة 88 ق، الصادر الحكم فيه بجلسة 23 ديسمبر 2023، في أن أصل النزاع، يعود إلى إقامة الطاعن دعوى أمام محكمة مدينة نصر الجزئية يطلب فيها الحكم بتسليم الشقة المبينة بالصحيفة، مستندا إلى أنه اشترى هذه الشقة بموجب عقد بيع مؤرخ 21 يونيو 2003، وصدر له حكم بصحة توقيع المطعون ضدهما على العقد في الدعوى رقم 16582 لسنة 2003 صحة توقيع شمال القاهرة..
أما عن سبب تعذر تقديم العقد، فقد أشار الطاعن إلى أن أصل عقد البيع فُقد منه بسبب أجنبي لا يد له فيه، حيث كان محتفظاً به مع والدة زوجته قبل وفاتها، ولم يتم التوصل لمكان العقد بعد وفاتها.
وقدم المدعي العديد من الأدلة، تمثلت في: صورة رسمية من صحيفة دعوى صحة التوقيع رقم 16582 لسنة 2003 ومضمونها. صورة طبق الأصل من الحكم الصادر فيها بثبوت صحة توقيع المطعون ضدهما. صورة طبق الأصل صريحة ومستخرجة من شركة كهرباء شمال القاهرة ثابت بها تغيير العداد باسم الطاعن بناءً على عقد البيع.
شهادة الشاهدين اللذين أقرا أمام محكمة الاستئناف بصحة التوقيع وواقعة فقد العقد دون علم أو إهمال من الطاعن.
وقضت المحكمة برفض الدعوى، ولدى استئناف الطاعن، قضت محكمة استئناف القاهرة، مأمورية شمال، بإحالة الدعوى للتحقيق واستمعت للشهود، ثم قضت بتاريخ 18 ديسمبر 2017 بتأييد الحكم المستأنف برفض الدعوى.
وأسست محكمة الاستئناف رفضها على أن عدم وجود العقد المكتوب يجعل من المستحيل على المحكمة الوقوف على مدى توافر شروط عقد البيع وأركان انعقاده، فقرر المدعي الطعن على الحكم أما محكمة النقض، والتي قضت بنقض الحكم.
أسباب النقض
استندت محكمة النقض في نقضها للحكم إلى إعمال المادة 63 من قانون الإثبات: تتيح المادة 63 (فقرة أ، ب) الإثبات بشهادة الشهود فيما كان يجب إثباته بالكتابة إذا وجد مانع مادي أو أدبي، أو إذا فقد الدائن سنده الكتابي بسبب أجنبي لا يد له فيه، أي دون فعل منه أو إهمال، وفي هذه الحالة يجوز إثبات واقعة الفقد ووجود العقد بكافة طرق الإثبات.
كما استندت إلى الإقرار القضائي وقوة حكم صحة التوقيع، حيث أوضحت النقض أن الطاعن تمسك بالإقرار القضائي الصادر من المطعون ضدهما بثبوت صحة توقيعيهما في دعوى صحة التوقيع السابقة، وأن المطعون ضدهما لم ينازعا في صحة التوقيع أو صدوره منهما، وهو ما يؤكد وجود عقد البيع وسلامة إرادة الطرفين.
ولفتت محكمة النقض أيضا إلى إغفال دفاع جوهري ومستندات قاطعة في الدعوى، بعدما ردت محكمة الاستئناف على دفاع الطاعن بعبارة: "أن عدم وجود الأصل يستحيل معه معرفة شروط العقد"، وهو ما اعتبرته محكمة النقض قصوراً وتفادياً لمواجهة الدفاع الجوهري، إذ كان يجب على محكمة الاستئناف أن تبحث وتزن ما قدمه الطاعن من صور رسمية وأحكام سابقة وشهادة شهود لإثبات وجود العقد وشروطه بدلاً من السير وراء شكلية غياب المحرر الأصلي.
وفي النهاية قضت محكمة النقض، بنقض الحكم المطعون فيه، وإحالة القضية إلى محكمة استئناف القاهرة (مأمورية شمال) لتقضي فيها مجدداً أمام دائرة أخرىن وإلزام المطعون ضدهما المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.








