و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

حكم تاريخي للهيئة العامة للمواد المدنية

النقض والنيابة تنتصران للمواطن: التعويض عن نزع الملكية للمنفعة العامة لا يسقط بالتقادم

موقع الصفحة الأولى

حسمت محكمة النقض، عن طريق الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية، خلافا قضائيا استمر لسنين، حول قضايا التعويض عن نزع الملكية للمنفعة العامة، وقررت في مبدأ قضائي حاسم أن "دعاوى التعويض عن نزع الملكية من دعاوى الاستحقاق الناشئة عن حق الملكية ولا يسقط الحق فى اقامتها بالتقادم مهما طال الزمن"، وذلك في الطعن رقم 32277 لسنة 95 قضائية.

ويعني المبدأ الذي أقرته أعلى هيئة في محكمة النقض برئاسة القاضي عاصم عبد اللطيف الغايش، رئيس محكمة النقض، أن كل صاحب حق فى نزع ملكيته للمنفعة العامة، يمكنه أن يطالب بتعويض عن حقه مهما مرت عليه سنين من نزع حقه، وهو المبدأ الذي صممت عليه النيابة العامة ودافعت عنه.

ويمثل حكم النقض انتصارا قانونيا ودستوريا يعكس سلامة التأصيل الذي تبنته النيابة العامة لدى محكمة النقض، ورسخت به مبادئ راسخة في حماية الملكية الخاصة وصون حقوق المواطنين، بما يجسد توافقًا مع الرؤية القانونية التي دافعت عنها النيابة العامة.

ومذكرة النيابة اللى طالبت فيها بحقوق الشعب، أعدها المستشار كريم علام، المحامي العام بنيابة النقض، وهو صاحب الرأي القانوني الذي أسهم في إنهاء الخلاف القانوني والفقهي حول مدى أحقية الجهات الإدارية في تملك العقارات المستولى عليها للنفع العام بطريق التقادم الطويل، ومدى سقوط حق الملاك في المطالبة بحقوقهم بالتقادم الزمني.

وبدأ النزاع بدعوى أقامها مواطنون ضد جهات حكومية للطعن على استيلاء الإدارة على أرض يمتلكونها بالميراث لإنشاء وتوسيع طريق "رافد المنصورة – جمصة" استنادًا إلى قرار نفع عام صدر عام 2004، دون استكمال الإجراءات القانونية اللازمة لنزع الملكية أو سداد التعويض المستحق.

وانقسمت أحكام محكمة النقض، بين اتجاهين، وهما الاتجاه الأول: يرى سقوط دعوى التعويض بالتقادم بعد مضي 15 عامًا، مع جواز اكتساب الجهة الإدارية ملكية العقار بالتقادم الطويل.

والاتجاه الثاني: يرى أن وضع يد الإدارة على عقار دون اتباع الإجراءات القانونية لا ينقل الملكية، وأن دعاوى حماية الملكية واستحقاق الحقوق لا تسقط بالتقادم.

حماية الملكية الخاصة

وفي النهاية، انتصرت محكمة النقض للاتجاه الذي دافعت عنه النيابة، والقائم على ترجيح الحماية الدستورية للملكية الخاصة وعدم جواز سقوطها بالتقادم، مستندة إلى أسس دستورية وقانونية دقيقة، أبرزها أن الدساتير المصرية المتعاقبة كفلت حماية الملكية الخاصة، وحظرت نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يُدفع مقدمًا، وأن تخلف هذه الشروط يبقي الملكية لصاحبها قانونًا، وأن حق التعويض لا يجوز أن يسقط بالتقادم طالما كان قائمًا مقام الرد العيني عند استحالته بسبب تخصيص العقار للمنفعة العامة، باعتبار أن التعويض يحل محل المال المنزوع ويتمتع بالحماية ذاتها.

ومن أبرز ما كرسه ذلك الاتجاه أن كسب الملكية بالتقادم يقتضي توافر عنصرين: الحيازة المادية، ونية التملك، وانتهت المحكمة، تأييدًا لما دافعت عنه النيابة العامة، إلى أن الجهات الإدارية بوصفها أشخاصًا اعتبارية عامة لا تقوم لديها نية التملك بالمفهوم القانوني الذي تقوم عليه الحيازة المكسبة للملكية، ومن ثم فإن مجرد وضع يدها على العقار لا يؤدي إلى اكتساب ملكيته بالتقادم.

ورسخت محكمة النقض أيضا المبادئ التي دافعت عنها النيابة العامة بشأن تحقيق التوازن بين الإدارة والأفراد، ومن أبرزها: أنه كما لا يجوز للأفراد اكتساب أموال الدولة بالتقادم، فإن مقتضى العدالة والمساواة يحول دون اكتساب الجهات الإدارية ملكية أموال المواطنين بالطريق ذاته، وأن الاستيلاء الإداري المباشر يفتقد شرط الهدوء اللازم قانونًا للحيازة المكسبة للملكية، لاقترانه في بدايته بعنصر الإجبار.

ويؤكد حكم النقض أن الاستيلاء الإداري غير المستوفي للضمانات الدستورية والقانونية لا يؤدي إلى انتقال الملكية ولا يسقط حق المالك في المطالبة بالتعويض، كما يمثل ذلك الاتجاه ضمانة مهمة لترسيخ الثقة في النظام القانوني، وتعزيز البيئة الاستثمارية، وتأكيد خضوع الإدارة لسيادة القانون، وصون الملكية الخاصة باعتبارها أحد الركائز الأساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.    

أما عن حيثيات حكم محكمة النقض فجائت كالتالي: أن الدساتير المصرية حرصت على تعاقبها؛ وحذوا بما استقام عليه نهج الأمم المتحضرة - على صون الملكية الخاصة، وأكدت على حمايتها كواحدة من أهم المقومات الأساسية التي لا ينهض المجتمع سويا بغير كفالتها، إذ نصت المادة (35) من الدستور القائم - والتي تقابل المادة (34) من دستور سنة 1971 - على أن "الملكية الخاصة مصونة، وحق الإرث فيها مكفول، ولا يجوز فرض الحراسة عليها إلا في الأحوال المبينة في القانون، وبحكم قضائي، ولا تنزع الملكية إلا للمنفعة العامة، ومقابل تعويض عادل يُدفع مقدما وفقا للقانون"، وأن حق الملكية نافذ في مواجهة الكافة، وأن حصانته تدراً عنه كل عدوان أيا كانت الجهة التي صدر عنها.

وصونا لحرمتها كفل الدستور حمايتها من وجهين، الأول أنها لا تزول بعدم استعمالها، ولا يجوز أن يجردها المشرع من لوازمها، ولا أن يفصل عنها أجزاءها المكونة لها، ولا أن ينتقص من أصلها أو يعدل من طبيعتها، ولا أن يقيد من مباشرة الحقوق المتفرعة عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وبوجه خاص لا يجوز أن يسقطها المشرع عن صاحبها سواء كان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر، ولا أن يقرر زوال حقه على الأموال محلها - إلا إذا كسبها غيره - وفقا للقانون، وطبقا للأوضاع المنصوص عليها فيه.

نزع الملكية

والثاني أنه لا يجوز نزع الملكية من ذويها إلا في الأحوال التي يقرها القانون، وبالكيفية المنصوص عليها فيه، ومقابل تعويض يكون معادلا لقيمتها الحقيقية في تاريخ نزعها ولمنفعة أو مصلحة عامة لها اعتبارها؛ ودون ذلك تفقد الملكية الخاصة ضمانتها الجوهرية ويكون العدوان عليها غصبا لها أدخل إلى مصادرتها، وهو ما حرص الدستور القائم علي توكيده، وما كان ذلك الحرص من المشرع الدستوري على صون هذه الملكية الخاصة وعدم المساس بها إلا لاعتبارها في الأصل ثمرة النشاط الفردي - الذهني والبدني - وحافزه إلى الانطلاق والتقدم، فضلا عن أنها مصدر من مصادر الثروة القومية التي يجب تنميتها والحفاظ عليها لتؤدي وظيفتها الاجتماعية في خدمة الاقتصاد القومي.    

وأكدت محكمة النقض أنه استثناء من ذلك، اشترط الدستور لنزع الملك الخاص جبرًا عن صاحبه شرطين أساسيين، وهما ألا تنزع الملكية إلا للمنفعة العامة، أن يكون ذلك مقابل تعويض، ثم جاءت عبارة وفقًا للقانون" لتنسحب على ما سبقها من عبارات، وهي دالة على أن الدستور قد ناط بالسلطة التشريعية تنظيم إجراءات تقرير المنفعة العامة ونزع الملكية وتقرير أساس التعويض وضماناته، ولم يُقيد الدستور السلطة التشريعية في هذا النص إلا بالشرطين المتقدم ذكرهما، وكانت عبارة وفقا للقانون الواردة بنص الدستور لا تعني قانونا محددًا بذاته، بل تعني كل قانون تصدره السلطة التشريعية في شأن نزع الملكية للمنفعة العامة.  

ولفتت النقض إلى أنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة، أن الاستيلاء على العقار بطريق التنفيذ المباشر لا يغني عن وجوب اتباع إجراءات نزع الملكية طبقا لما نص عليه القانون، وجل ما يجيزه - وفقا لأحكام الباب الرابع من القانون رقم 10 لسنة 1990 - أن للجهة نازعة الملكية حق الاستيلاء المؤقت على العقارات التي تقرر لزومها للمنفعة العامة لحين إتمام إجراءات نزع الملكية.

وكان البين من استقراء نص المادتين ،11، 12 من ذات القانون سالف الذكر أن المشرع اشترط لنقل ملكية العقار المنزوع ملكيته للمنفعة العامة أحد طريقين، وهما: أن يوقع ملاك العقارات طوعًا على نماذج نقل الملكية وذلك بالنسبة لأصحاب العقارات والحقوق التي لم تقدم معارضات بشأنها.

والثاني: إصدار قرار من الوزير المختص بنزع ملكيتها - إذا تعذر التوقيع على نماذج نقل الملكية - وإيداعها مكتب الشهر العقاري خلال مدة أقصاها سنتان من تاريخ نشر قرار المنفعة العامة في الجريدة الرسمية، فإن لم يتم الإيداع خلال هذه المدة - أيا كانت الأسباب - عُد قرار المنفعة العامة كأن لم يكُن بالنسبة للعقارات التي لم تودع بشأنها النماذج أو القرار الوزاري بنزع الملكية خلال هذه المدة.  

وتأتي عبارة النص واضحة وصريحة وقاطعة الدلالةـ على أن ذلك الميعاد هو ميعاد سقوط لقرار المنفعة العامة بمجرد اكتمال المدة، ولا يترتب عليه وقف أو انقطاع أو امتداد، والظاهر أنه قصد من ذلك حث الحكومة على إنهاء هذه الإجراءات بالسرعة التي تكفل جديتها في تنفيذ قرار النفع العام، وأن المشرع قصد إلى محو آثار قرار النفع العام إذا لم تودع النماذج الموقع عليها من الملاك أو يصدر قرار نزع الملكية خلال سنتين من تاريخ نشر قرار المنفعة العامة، فإذا لم يتم ذلك سقط القرار واعتبر كأن لم يكن، فلا يجوز من بعد الاستناد إليه وإلا كان ذلك اعتداء على الملكية دون سند وبالمخالفة للدستور.

وولما كان استيلاء الحكومة على عقار جبرًا عن صاحبه دون اتباع الإجراءات التي يوجبها قانون نزع الملكية للمنفعة العامة يعتبر غصبًا وليس من شأنه أن ينقل ملكية العقار للحكومة، بل تظل هذه الملكية لصاحب العقار رغم هذا الاستيلاء، وكانت دعوى الاستحقاق التي يرفعها المالك لاسترداد ملكه من غاصبه لا تسقط بالتقادم لكون حق الملكية حقا دائما لا يسقط بعدم الاستعمال، ذلك أن لحق الملكية خاصية تميزه عن غيره من الحقوق - الشخصية منها أو العينية أصلية كانت أم تبعية وتتمثل هذه الخاصية في أن الملكية وحدها هي التي تعتبر حقا دائمًا، وتقتضي طبيعتها ألا يزول هذا الحق بعدم الاستعمال.    

وشددت محكمة النقض على أنه أيا كانت المدة التي يخرج فيها الشيء من حيازة مالكه، فإنه لا يفقد ملكيته بالتقاعس عن استعمالها، بل يظل من حقه أن يُقيم دعواه للمطالبة بها مهما طال الزمن - إلا إذا كسبها غيره بإحدى وسائل اكتساب الملكية وفقًا للقانون متى توافرت شرائطه - بما مؤداه أن حق الملكية باق لا يزول ما بقي الشيء المملوك منقولا كان أو عقارًا، وبالتالي لا يسقط الحق في إقامة الدعوى التي تحميه بانقضاء زمن معين ذلك أنه لا يتصور أن يكون حق الملكية ذاته غير قابل للسقوط بالتقادم ويسقط مع ذلك الحق في إقامة الدعوى التي يطالب بها هذا الحق، وكانت مطالبة المالك بقيمة العقار محل الغصب تعتبر مطالبة بإلزام المدين الغاصب بتنفيذ التزامه بالرد بطريق التعويض - في حالة تعذر الرد العيني - ذلك أن الرد العيني أو الرد بمقابل هما عنوان لأصل واحد هو حق الملكية يتسمان بسماته؛ ويتمايزان بخصائصه التي من أهمها أنه لا يسقط بعدم استعماله، وبالتالي لا يسقط بالتقادم.

واستنادًا إلى ما تقدم؛ رأت الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية، بالأغلبية المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 المعدلة، العدول عن المبدأ الذي تبناه الاتجاه الأول الذي يعتبر أن الدعوى الناشئة عن نزع ملكية العقارات للنفع العام دون اتباع الإجراءات المنصوص عليها بقوانين نزع الملكية للمنفعة العامة هي دعوى تعويض مصدر الالتزام فيها هو القانون يسري على الحق في إقامتها قواعد التقادم المنصوص عليها في المادة 374 من القانون المدني، وأقرت المبدأ الذي تبناه الاتجاه الثاني الذي يقضي بأن هذه الدعوى تعتبر من دعاوى الاستحقاق التي لا تسقط بالتقادم وليس لها أجل محدد تزول بانقضائه لاستناد رافعها إلى حق الملكية الذي هو حق دائم لا يسقط بعدم الاستعمال، ولا يحول ذلك دون تملك الدولة للعقار المنزوع ملكيته بوضع اليد متى توافرت شرائطه من الظهور والهدوء ونية التملك ودام لمدة خمس عشرة سنة متصلة دون انقطاع. 

 

 

 

 

 

 

 

تم نسخ الرابط