لو أن للعرب عقلا استراتيجيا قادرا على التفكير والتحليل العلمى، سيكون السؤال المحورى والاستراتيجى هو: كيف سيكون شكل النظام الإقليمى الشرق أوسطى بعد توقف الحرب الطاحنة التى تجرى الآن بين الولايات المتحدة، ومن خلفها كيان الاحتلال الإسرائيلى وإيران؟
ربما يقول البعض إن هذا السؤال متعجل، خاصة إذا جاء من العرب، فالحرب لم تنته بعد، ولم يعرف بعد أى معادلة توازن قوى ستفرض نفسها على الإقليم، هل ستتسيد أمريكا الشرق الأوسط مجددًا، وتنهى أى دور إقليمى لإيران؟ أم أن أمريكا سترحل، وربما نهائيًا عن الإقليم، وتترك وراءها فراغًا مأزومًا سيكون على إيران ملؤه مع قوى إقليمية أخرى، قد تكون تركيا أو ما يسمى الآن «الرباعى السنى الجديد» الذى يضم تركيا وباكستان ومصر والسعودية، وعندها ربما يتأسس لأول مرة فى العصر الحديث «وفاق وستفاليا» بين المحورين الشيعى والسنى «ضمن إطار تكاملى حضارى» يضع نهاية للصراع الطائفى السُنى - الشيعى الذى فُرض على الأمة، وهدفه الأساسى فرض «حرب لا نهاية لها على الإسلام»؟
الأسئلة باتت مشروعة لأن إجاباتها تُصنع الآن وعلى نار ساخنة بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران، كما تُصنع أيضا على نيران هادئة فى دول إقليمية متأهبة لفرض نفسها كقوة إقليمية مهيمنة ومسيطرة، خاصة تركيا وإسرائيل. كل من أنقرة وتل أبيب يعمل جاهدًا لفرض النهاية التى يريدها لهذه الحرب، والتى تحقق أهدافه. وإذا كانت إسرائيل تعمل بكل قدراتها الداخلية والخارجية، خاصة المؤسسات الصهيونية فى الولايات المتحدة على إفشال "مذكرة التفاهم" الأمريكية - الإيرانية وإسقاطها، وإعادة الولايات المتحدة مجددًا إلى "خيار الحرب الشاملة" ضد إيران، لإخراج إيران ونهائيًا من «معادلة التنافس الإقليمى» معها، باعتبار أن ذلك هو «الشرط الموضوعى» لفرض نظام الشرق الأوسط الإسرائيلى على الإقليم، فإن تركيا التى لم تتدخل حتى الآن فى الحرب، بل عملت جاهدة على إحباط مخطط إشعال الصراع الإقليمى الموسع، وتوريط أطراف إقليمية بالصراع، خاصة تركيا.
الأهم من ذلك أن تركيا لا تريد أن تكرر تجارب غيرها، بل تريد أن تتعلم من كل حرب تقع حولها، قبل أن تجد نفسها فى مواجهة مشابهة. هذا يعنى أن هناك تنافسًا إسرائيليًا تركيًا على المستقبل. هذا التنافس يتحول، فى لحظات كثيرة، إلى «صراع تركى – إسرائيلى»، وهو صراع ليس محكومًا فقط بما سوف تئول إليه الحرب الأمريكية - الإيرانية من مآلات ومشاهد مستقبلية، لكنه محكوم أيضًا بصراع توازن القوى الإقليمى وصراع المصالح بين الطرفين.
الصراع الإسرائيلي
فالصراع الإسرائيلى على أشده الآن مع تركيا فى كل من سوريا ولبنان والعراق أيضًا، حيث تخوض إسرائيل «صراعًا استئصاليًا» مع تركيا، فى الوقت الذى تخوض فيه «صراعًا وجوديًا» مع إيران.
الرئيس التركى رجب طيب أردوغان كشف فى أحد أحاديثه المهمة أمام البرلمان التركى أن تركيا ودولا إقليمية أحبطت ما سماه «مؤامرة خبيثة دموية». وقال: «سأكتفى الآن بالقول فقط إننا نحن الأتراك والعرب والأكراد والفرس، أحبطنا مؤامرة سيكشف المستقبل كم كانت دموية وخبيثة». هذه المؤامرة وصفها الإعلام التركى بأنها «قنبلة القرن»، لأنها لم تكن مجرد جولة صراع تقليدية عابرة، بل كانت «هندسة لسيناريو يحاكى إعادة استنساخ مأساة تدمير سوريا ابتداءً من عام 2011»، وتطبيقها حرفيًا على إيران، بهدف تفجير اقتتال داخلى إيرانى عرقى وطائفى شامل يضع مكونات المنطقة (الأتراك والعرب والأكراد والفرس) فى جبهات تصادمية مدمرة تؤسس لخرائط «الشرق الأوسط الجديد» كما يريده نيتانياهو واليمين الصهيونى المتطرف الذى يحكم تل أبيب. المؤامرة تلك ارتكزت مخططاتها على تسليح آلاف الأكراد الإيرانيين، لإشعال العمق الإيرانى، تزامنًا مع ضربات إسرائيلية استباقية تستهدف نقاط الجيش والشرطة على الحدود العراقية - الإيرانية، لتفريغ المنطقة أمنيًا، وإغراق طهران فى حرب استنزاف داخلية يكون من أهم نتائجها إسقاط النظام بإرادة شعبية إيرانية. تركيا أحبطت هذه المؤامرة بفضل مواقف تاريخية للأكراد رفضت أن تكون وقودًا لحرب تقودها أمريكا وإسرائيل ضد إيران. أردوغان تعمد أن يؤكد فى حديث آخر أمام البرلمان التركى أن «أمن تركيا لا يبدأ من هاطاى، بل من حلب ودمشق وبيروت»، وأنه لن يسمح بتهديد سيادة سوريا ولبنان.
الصراع التركى - الإسرائيلى وصل إلى أشده فى الأسابيع الأخيرة خاصة فى الأيام التى سبقت وشهدت وأعقبت قمة حلف شمال الأطلسى التى عُقدت فى العاصمة التركية أنقرة (7-8/7/2026) وشهدها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تقديرًا لشخص الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، الأمر الذى فاقم من غضب إسرائيل على ما جرى تمريره خلال هذه القمة من وعود على لسان الرئيس الأمريكى بخصوص تسليح تركيا بأسلحة أمريكية متطورة، خاصة المحركات المطلوبة لإنتاج طائرة الشبح التركية الجديدة من طراز «قاآن KAAN»، وإعادة دمج تركيا فى برنامج إنتاج طائرة الشبح الأمريكية «إف - 35»، وإمداد تركيا بهذه الطائرات ضمن وعود ترامب فى أنقرة.
إسرائيل عملت بكل إمكاناتها على إفشال ما وصفته بـ«الصفقة الخطيرة»، من منظور رفض بروز قوة عسكرية أخرى فى المنطقة، إسرائيل رأت فى امتلاك تركيا مثل تلك القدرات العسكرية تهديدًا لما تصفه بـ «التفوق الجوى الإسرائيلى»، وتغيير موازين القوى فى المنطقة لغير مصلحة إسرائيل. لذلك طالب نيتانياهو الرئيس ترامب بالامتناع عن إتمام هذه الصفقة. صراعات لم تنتظر حسم الحرب الإيرانية، باعتبار أن هذه الصراعات من مستلزمات صنع «المستقبل الإقليمى»، فأين نحن العرب من هذا كله؟




