أول قمة سرية لحرب أكتوبر
أشهر رحلة حج سياسي بالتاريخ.. زيارة السادات للمشاعر المقدسة مهدت لمعركة العبور
لم تكن رحلة الرئيس الراحل محمد أنور السادات إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج في أغسطس عام 1971 مجرد تلبية لنداء إيماني خالص، بل تم تصنيف رحلة السادات تاريخياً كـ «حج سياسي» رفيع المستوى؛ حيث استثمر السادات هذه المناسبة الدينية الاستثنائية لترتيب الأوراق الدبلوماسية والعسكرية المعقدة عقب توليه الرئاسة خلفا للرئيس جمال عبد الناصر بفترة وجيزة.
ووضع الرئيس السادات خلال رحلة الحج الأساس الأول للتنسيق العربي الشامل الذي أثمر لاحقاً عن ملحمة حرب أكتوبر 1973.
وشهدت هذه رحلة الحج مرافقة السيدة جيهان السادات، التي رافقت زوجها خطوة بخطوة في رحاب الحرمين الشريفين، وقد وثقت السيدة جيهان في مذكراتها اللاحقة مدى عمق هذه التجربة الروحية في حياتها، حيث ظهرت في اللقطات التاريخية النادرة مرتدية ملابس الإحرام البيضاء والحجاب، وهي تؤدي المناسك إلى جوار الرئيس وسط جموع الحجاج، مما أضفى طابعا أسرياً دافئاً على هذه الرحلة الرسمية الهامة.
بدأت التفاصيل الكاملة للزيارة بوصول الرئيس أنور السادات والوفد المرافق له إلى المملكة العربية السعودية واستغل السادات تواجده لعقد لقاءات قمة مغلقة ومطولة مع الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود؛ حيث دارت المباحثات الأساسية حول سبل دعم مصر ماليا وسياسيا لإعادة بناء القوات المسلحة، وتوحيد الصف العربي وتفعيل سلاح النفط كأداة ضغط استراتيجية في المعركة المرتقبة ضد الاحتلال الإسرائيلي.
جيهان السادات
وإلى جانب السيدة جيهان السادات، اصطحب الرئيس في هذه الرحلة وفداً مصرياً رفيع المستوى ضم عدداً من الوزراء، والمستشارين السياسيين، ورجال الأمن والدولة المعنيين بملف العلاقات المصرية العربية والمجهود الحربي. وتحرك الوفد بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث أدى الرئيس الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، والتقى بالعديد من الوفود الإسلامية المشاركة.
وأثناء أدائه مناسك الحج ظهر السادات في صورة مختلفة تبرز شخصية الصوفى الذي يطوف حول الكعبة وسط الحجاج ويسعى بين الصفا والمروة ويقف على جبل عرفات داعيا لمصر وشعبها، والتقى السادات بالحجاج المصريين وصافحهم وتحدث معهم دون حواجز.
كانت الرحلة أيضا محطة مهمة في تعزيز العلاقات بين مصر والمملكة العربية السعودية حيث التقى الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله في لقاء جمع بين قائدين حملا هم الأمة العربية والإسلامية في فترة مليئة بالتحديات.
وشكلت رحلة حج الرئيس السادات نقطة تحول حاسمة؛ حيث نجح «الحج السياسي» للسادات في كسر الجمود الدبلوماسي، وفتح قنوات اتصال وثيقة ومباشرة مع القيادة السعودية بنيت على أساسها خطة التمويل والدعم العربي الحربي المشترك. وانطلق السادات بعدها في جولات شملت عواصم عربية أخرى لتأكيد التضامن الكامل، لتظل رحلة 1971 واحدة من سجلات السياسة الروحية في تاريخ مصر الحديث.
وبعد الرحلة، بدأت المملكة العربية السعودية بقيادة الملك فيصل بن عبد العزيز دوراً محورياً وحاسماً في تحقيق نصر حرب أكتوبر 1973 من خلال تقديم الدعم الاقتصادي، والعسكري، والسياسي للجبهتين المصرية والسورية.
قادت السعودية قراراً تاريخياً بقطع النفط عن الولايات المتحدة والدول المؤيدة لإسرائيل، بخفض إنتاج النفط العربي تدريجياً، مما شكل ضغطاً اقتصادياً وسياسياً هائلاً على الغرب وأجبرهم على إعادة تقييم مواقفهم.
كما قدمت المملكة مع عدد من الدول العربية تمويلاً مالياً لمصر وسوريا لشراء الأسلحة والطائرات، وتكفلت بتغطية جزء كبير من الاحتياجات الاقتصادية أثناء المعركة.









