جاء تكليف الدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي بتسيير أعمال وزارة الثقافة في لحظة فارقة، لا تحتمل الاكتفاء بإدارة الملفات اليومية أو انتظار الوزير الجديد، بل تفرض مراجعة شاملة لواحد من أكثر الملفات التي تراجع تأثيرها خلال السنوات الأخيرة، فالقضية لم تعد تتعلق بتغيير اسم الوزير، وإنما بإعادة بناء مؤسسة يفترض أنها تقود الوعي، وتحمي الهوية، وتصنع القوة الناعمة للدولة.
لقد فقدت الثقافة جزءا معتبرا من تأثيرها في المجال العام مع الأسف، ولم تعد المؤسسات الثقافية حاضرة بالقدر الذي يوازي تاريخها أو إمكاناتها أو مسؤوليتها الوطنية، وبينما يشهد العالم ثورة في الصناعات الإبداعية، والاقتصاد الثقافي، والذكاء الاصطناعي، والمحتوى الرقمي، لا تزال قطاعات واسعة من المنظومة تعمل بعقلية إدارية تقليدية، تركز على إدارة الإجراءات أكثر من صناعة الأثر.
ولا يقل أهمية عن ذلك إجراء مراجعة مؤسسية شاملة لما أُنجز خلال فترة تولي الدكتورة جيهان زكي مسؤولية الوزارة، مراجعة لا تنطلق من منطق القطيعة أو تصفية ما سبق، وإنما من فلسفة التقييم والبناء على ما تحقق وتصحيح ما لم يحقق أهدافه، فالمؤسسات الرشيدة لا تبدأ من الصفر مع كل قيادة جديدة، بل تنطلق من تقييم موضوعي للسياسات والمبادرات والبرامج، وتحتفظ بما أثبت نجاحه، وتعيد النظر فيما أثبتت التجربة محدودية أثره.
ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة تستوجب إطلاق عملية إعادة هيكلة إدارية وتنظيمية شاملة تمتد عبر مختلف قطاعات الوزارة، تبدأ بمراجعة اختصاصات الهيئات والقطاعات والمؤسسات التابعة، بهدف تحديث منظومة العمل، وإزالة التداخل في الاختصاصات، وربط المسؤولية بالإنجاز، وإتاحة الفرصة لدماء جديدة وأفكار أكثر قدرة على مواكبة التحولات الثقافية والمجتمعية، فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تغيير القيادة، بل يقوم على إعادة بناء المؤسسة بأكملها وفق معايير الكفاءة، والفاعلية، والأثر الثقافي القابل للقياس.
إن الأزمة ليست في نقص الكفاءات أو الإمكانات، وإنما في غياب فلسفة إدارية جديدة قادرة على تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة، فالمواطن لا يعنيه عدد الفعاليات التي تنظم، بقدر ما يعنيه ما إذا كانت هذه الفعاليات قد صنعت وعيا، أو اكتشفت موهبة، أو دعمت مبدعا، أو أسهمت في مواجهة التطرف الفكري وتعزيز الهوية الوطنية.
ولذلك، فإن نجاح أي وزير لن يرتبط بقدرته على إدارة الملفات اليومية، وإنما بقدرته على إطلاق مراجعة مؤسسية حقيقية، تبدأ بتقييم الأداء، وقياس الأثر، وإعادة ترتيب الأولويات، ووضع معايير واضحة للمساءلة والإنجاز.
إن كل مؤسسة تحتاج، بين الحين والآخر، إلى إعادة تقييم هياكلها الإدارية والتنظيمية، وإلى مراجعة آليات اتخاذ القرار، وتوزيع الاختصاصات، وطرق اختيار القيادات التنفيذية، حتى تظل قادرة على التجدد والاستجابة للمتغيرات. فاستمرار أي منظومة دون مراجعة دورية يفتح الباب أمام الجمود، ويقلل من قدرتها على الابتكار والتطوير.
كما أن المرحلة الحالية تفرض الانتقال من ثقافة إدارة الأنشطة إلى ثقافة إدارة النتائج، ومن قياس النجاح بعدد المؤتمرات والندوات إلى قياسه بحجم التأثير الحقيقي في المجتمع، ومدى وصول الخدمات الثقافية إلى الشباب والمحافظات، وقدرة المؤسسات على اكتشاف ورعاية الموهوبين.
ولا ينبغي أن تكون صفة "القائم بالأعمال" مبررا لتأجيل الإصلاح، بل قد تكون فرصة لاتخاذ قرارات تأسيسية تضع الوزارة على مسار مختلف، يقوم على الكفاءة، والشفافية، والتقييم المستمر، والتحول الرقمي، وربط الموارد بالأولويات الوطنية.
التحول الرقمي
إن المائة يوم الأولى يمكن أن تمثل بداية مختلفة إذا شهدت مراجعة شاملة للهياكل التنظيمية، وتطوير منظومة تقييم الأداء، وتسريع التحول الرقمي، وإطلاق مشروع وطني لاكتشاف الموهوبين، وتعزيز الشراكة مع الجامعات والمؤسسات التعليمية والإعلامية، وربط الثقافة بمسارات التنمية والاقتصاد الإبداعي.
فالمعركة الحقيقية ليست مع أشخاص، بل مع الجمود الإداري، وليس الهدف تغيير الوجوه، وإنما تغيير أسلوب الإدارة، فالمؤسسات التي تتجدد هي وحدها القادرة على البقاء، والدول التي تستثمر في ثقافتها تستثمر في أمنها الفكري ومستقبلها.
إن نجاح قنصوة، إذا أراد أن يصنع فارقا، لن يتحقق عبر إدارة الأزمة، بل عبر بدء إصلاح مؤسسي يترك أثرا يتجاوز مدة التكليف، فالثقافة المصرية لا تحتاج إلى مرحلة انتقالية هادئة، بل إلى لحظة مراجعة شجاعة تعيد إليها دورها التاريخي، وتعيد للمؤسسة قدرتها على التأثير في بناء الإنسان وصناعة المستقبل.








