من جميزة دشنا إلى شجرة الزمالك
أقدم 10 أشجار معمرة في مصر.. ذاكرة خضراء تمتد لمئات السنين
في الوقت الذي تتجه فيه الدولة إلى زيادة المساحات الخضراء والتوسع في زراعة أشجار جديدة، شدد الرئيس عبدالفتاح السيسي، على تبني مشروع لـ«تخضير القاهرة»، يستهدف تحويل أي مساحة يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء، في توجه يعكس أهمية الأشجار باعتبارها جزءًا من تحسين البيئة وجودة الحياة داخل المدن.
وتأتي هذه التوجيهات امتدادًا لمبادرات الدولة في مجال التشجير، وفي مقدمتها المبادرة الرئاسية «100 مليون شجرة»، التي تستهدف زراعة 100 مليون شجرة خلال سبع سنوات، وزيادة نصيب الفرد من المساحات الخضراء، وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وتحسين جودة الهواء والصحة العامة. وتشمل الخطة تخصيص آلاف المواقع في المحافظات لتحويلها إلى غابات شجرية وحدائق، مع الاعتماد في بعض المواقع على مياه الصرف المعالج.
وفي هذا السياق، تبدو الأشجار المعمرة الموجودة بالفعل في مصر بمثابة «ذاكرة خضراء» وتاريخ للمدن والقرى امتد لمئات السنين ونجت بعضها من الحروب والتغيرات العمرانية والمناخية، بينما ارتبط بعضها بحكايات دينية وتاريخية وشعبية توارثتها الأجيال. ومن بين آلاف الأشجار المعمرة في مصر هناك 10 أشجار نادرة تحدت الزمن وظلت واقفة لقرون طويلة.
أول هذه الأشجار بحسب المصادر التاريخية، أشجار الزيتون بدير سانت كاترين بجنوب سيناء والتي تمتد عمرها لنحو 2000 عام
وبحسب سجلات منطقة آثار سانت كاترين، توجد بالدير عشرات الأشجار العتيقة التي يتجاوز عمر بعضها 800 عام، بينما يتراوح عمر شجرتين عند مدخل الدير بين 1500 و2000 عام، ولا تزالان مثمرتين حتي الآن.
كما تشير تقارير بيئية إلى وجود أشجار زيتون أخرى في المحمية الطبيعية بسانت كاترين يصل عمر بعضها إلى نحو 600 عام. كما تضم جنوب سيناء مجموعه من أشجار السرو والفستق والصنوبر واللوز وغيرها من النباتات التي تعيش منذ أكثر من 300 عاما .
وفي مدينة دشنا بمحافظة قنا، تقف شجرة جميز عتيقة تعرف باسم شجرة حتحور، ويُقدر عمرها بأكثر من 300 عام.
وتقع الشجرة أمام ديوان عائلة الجوخي، وما زالت تثمر حتى اليوم، وتحولت إلى جزء من ذاكرة المكان وطقوسه الاجتماعية. ويرتبط الجميز بتاريخ طويل في مصر القديمة، إذ كان من الأشجار ذات المكانة الدينية والرمزية، كما استخدم المصريون القدماء أخشابه في عدد من الصناعات.
وفي منطقة المطرية بالقاهرة توجد شجرة مريم، أو «الشجرة المباركة»، المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر.
وتصف الهيئة العامة للاستعلامات الشجرة بأنها أقدم شجرة جميز في مصر، فيما تؤكد وزارة السياحة والآثار أن الشجرة الأصلية ضعفت وسقطت عام 1656، ثم جرى إكثارها من فروعها وأغصانها، لتنمو من جديد. ولذلك فإن الحديث عن عمر الشجرة يحتاج إلى التمييز بين عمر الموقع والنسل النباتي الحالي للشجرة وبين الشجرة الأصلية.
وتظل شجرة مريم واحدة من أشهر الأشجار ذات القيمة الدينية والتاريخية في مصر، وأحد المواقع المرتبطة بمسار العائلة المقدسة.
أشجار الجميز بالصعيد
على الطريق السياحي بقرية البعيرات في البر الغربي بالأقصر، توجد شجرة جميز معمرة يعود تاريخ زراعتها إلى عام 1890، وفق ما وثقته تقارير بيئية بالمحافظة.
وتحولت الشجرة إلى معلم يعرفه أبناء المنطقة، ليس فقط بسبب عمرها، وإنما بسبب القصص الشعبية التي ارتبطت بها، حتى أصبحت مقصدًا لبعض الزائرين لالتقاط الصور. ويقدر عمرها حاليًا بنحو 136 عامًا.
وفي قرية ساقية القاضي بمحافظة قنا، توجد شجرة جميز معمرة يطلق عليها الأهالي شجرة الشيخ الحساني، ويُقدر عمرها بأكثر من 150 عامًا، مع تقديرات تشير إلى إمكانية وصول عمرها إلى نحو 200 عام.
وعلى مدار عقود طويلة كانت أغصانها الكثيفة توفر الظل لأهالي القرية، وتحولت إلى نقطة تجمع للأجيال، وهو ما جعلها جزءًا من الذاكرة الاجتماعية للمكان، إلى جانب قيمتها التاريخية باعتبارها من أشجار الجميز المعمرة.
كما تضم الإسماعيلية شجرة نادرة من التين البنغالي يرجع تاريخ زراعتها إلى عام 1868، أي أن عمرها يتجاوز 150 عامًا.
وتقع الشجرة في شارع محمد علي بحي أول الإسماعيلية، وتعد من الأشجار التاريخية التي نجت من الحروب التي استهدفت المدينة. وتشير المصادر إلى أن هذا النوع نادر في مصر، مع وجود أشجار أخرى منه في مناطق مختلفة، بينها محيط برج القاهرة والقناطر الخيرية وبورفؤاد وحديقة أنطونيادس بالإسكندرية.
وبالقرب من برج القاهرة في منطقة الزمالك، تقف شجرة فيكس يعود تاريخ زراعتها إلى عام 1868، بأمر من الخديوي إسماعيل، ليزيد عمرها حاليًا على 150 عامًا.
وتتميز الشجرة بكثافة أوراقها واتساع ظلها، وأصبحت مع مرور الوقت واحدة من الأشجار التاريخية البارزة في القاهرة، شاهدة على التحولات التي شهدتها المنطقة منذ القرن التاسع عشر.
وفي قرية الشيخية التابعة لمركز قفط بمحافظة قنا، توجد شجرة جميز زرعت عام 1901، بالقرب من نهر النيل، ويصل عمرها حاليًا إلى أكثر من 125 عامًا.
وتشير الرواية المحلية إلى أن زراعتها ارتبطت بإنشاء مقابر القرية، في تقليد ارتبط تاريخيًا بزراعة أشجار الجميز في محيط المقابر. وما زالت الشجرة قائمة ومثمرة حتى اليوم.
ولا تقتصر الأشجار المعمرة في مصر على الأنواع المحلية؛ ففي حي المعادي بالقاهرة توجد شجرة التيوليب الأفريقي، المعروفة أيضًا باسم «السبسيديا»، ويقدر عمرها بنحو 150 عامًا.
وتأتي الشجرة ضمن مجموعة من الأشجار النادرة التي رصدها حي المعادي بالتعاون مع جمعية محبي الأشجار، في إطار الاهتمام بالثروة النباتية التاريخية التي تتميز بها شوارع القاهرة القديمة.
من الأشجار القديمة إلى «مصر الخضراء»
تكشف هذه الأشجار عن مفارقة لافتة؛ فبينما تسعى الدولة إلى زيادة الرقعة الخضراء وزراعة ملايين الأشجار، توجد في أنحاء مصر أشجار سبقت هذه المبادرات بمئات السنين، وعاشت أجيالًا متعاقبة حتى أصبحت جزءًا من ذاكرة المكان.
واللافت أن الدولة بدأت كذلك في التعامل مع الأشجار المعمرة باعتبارها ثروة تستحق الحصر والتوثيق؛ حيث أعلن الجهاز القومي للتنسيق الحضاري عن الإعداد لإنشاء الأرشيف القومي للأشجار النادرة والمعمرة، عبر قاعدة بيانات تشمل الأشجار المعمرة في مختلف المحافظات، مع بدء أعمال المسح في مناطق كثيرة.
