و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

في بعض الحوادث يكون الخبر صادمًا، ثم ينتهي أثره بعد ساعات، لكن هناك حوادث أخرى لا تتوقف عند حدود الخبر، لأنها تترك وراءها أسئلة أكبر من الواقعة نفسها، وهذه واحدة منها.

طفل في الثانية والنصف من عمره يفقد حياته داخل سيارة والده بعد أن ظل لساعات في مكانه دون أن ينتبه أحد إلى غيابه، كلما قرأت تفاصيل هذه المأساة، لم أتوقف فقط أمام سؤال: كيف نسي الأب ابنه؟ بل وجدت نفسي أمام سؤال أكثر قسوة: كيف ظل طفل كامل خارج حسابات الجميع كل هذا الوقت؟

فالطفل لم يختفِ، لم يضل الطريق، لم يتعرض للاختطاف، لم يكن مجهول المكان، كان موجودًا منذ اللحظة الأولى داخل السيارة، ومع ذلك مرت الساعات، وكأن الجميع افترض أنه في مكان آخر، الأب اعتقد أنه أوصله إلى الحضانة، والأم ظنت أن يومه بدأ بشكل طبيعي، والحضانة انتظرت وصوله وبين هذه الافتراضات المتبادلة كانت المأساة تتشكل دقيقة بعد أخرى.

منذ انتشار الخبر، ظهرت تفسيرات كثيرة، هناك من تحدث عن الضغوط النفسية والإرهاق وتشابه الأيام والاعتياد على الروتين، وهناك من رأى أن ما حدث لا يمكن وصفه إلا بالإهمال، وبين هذا الرأي وذاك، يظل هناك سؤال مشروع لا أعتقد أنه يجب أن يخيفنا طرحه: هل يمكن فعلًا أن ننسى ما نحمله كل يوم باعتباره مسؤوليتنا الأساسية؟

إذا كانت الذاكرة هي السبب، فلماذا لا ننسى الأشياء التي نعتبرها جزءًا من أولوياتنا؟ لماذا يتذكر الموظف اجتماعًا مهمًا؟ ولماذا يتذكر رجل الأعمال موعد صفقة ينتظرها؟ ولماذا يحفظ ملايين الرجال مواعيد المباريات التي يترقبونها مهما كانت ضغوط الحياة والعمل؟

المسألة هنا ليست مقارنة بين طفل ومباراة، فالمقارنة مستحيلة أصلًا، لكن الفكرة أن الإنسان غالبًا لا ينسى ما يشغل مساحة دائمة من اهتمامه اليومي وما يتعامل معه باعتباره جزءًا أصيلًا من مسؤولياته.

ولهذا يفرض السؤال نفسه: هل كان هذا الأب معتادًا على حمل تفاصيل حياة طفله اليومية؟ أم أن هذه المهمة كانت في الغالب مسؤولية شخص آخر؟ لا أطرح هذا السؤال كاتهام، ولا أملك أي معلومة تسمح بالحكم على هذه الأسرة، لكن الواقعة نفسها تفتح الباب أمام نقاش أوسع يتعلق بمفهوم الأبوة والمسؤولية.

في كثير من البيوت ما زالت الأم هي التي تعرف مواعيد الحضانة، ومواعيد التطعيمات، وتفاصيل الطعام والنوم والعلاج، هي التي تحمل الخريطة اليومية الكاملة لحياة الطفل، أما الأب، ففي بعض الحالات، يظل حاضرًا كمحب وداعم ومنفق، لكنه بعيد عن التفاصيل الصغيرة التي تشكل حياة الطفل يومًا بعد يوم.

وهنا لا يصبح السؤال: هل كان الأب يحب ابنه؟ فالحب لا يقاس بهذه الطريقة، ولا أحد يملك حق التشكيك فيه، السؤال الحقيقي هو: هل الحب وحده يكفي؟

الحب مهم، لكنه لا يغني عن المشاركة، والحب لا يغني عن المتابعة، والحب لا يغني عن الحضور الحقيقي في تفاصيل الحياة اليومية، فكلما شارك الإنسان أكثر، انتبه أكثر، وكلما عاش التفاصيل بنفسه، أصبح غيابها أمرًا يصعب على عقله تجاهله.

الساعات القاتلة

لكن المفارقة الأكثر إيلامًا في هذه القصة ليست فقط احتمال النسيان، بل أن كل طرف كان يعتقد أن الطرف الآخر يقوم بدوره، الأب ظن أن الطفل وصل، والأم ظنت أنه في مكانه المعتاد، والحضانة انتظرت، وفي النهاية لم يكن هناك من طرح السؤال الأبسط والأهم: أين الطفل الآن؟

ربما تكشف التحقيقات كل التفاصيل يومًا ما، وربما نعرف بالضبط كيف بدأت هذه الساعات القاتلة، لكن هناك سؤالًا سيبقى مطروحًا حتى بعد إغلاق الملف: هل نُعد الناس فعلًا لتحمل مسؤولية طفل، أم أننا ما زلنا نخلط بين القدرة على الإنجاب والقدرة على ممارسة الأبوة والأمومة بكل ما تحمله من يقظة ومشاركة ومسؤولية؟

ربما مات هذا الطفل بسبب لحظة نسيان، وربما بسبب خطأ بشري مأساوي، لكن المؤكد أن هذه الواقعة أعادت فتح نقاش لا يجب أن ينتهي بانتهاء التحقيقات: مسؤولية الطفل لا تبدأ عند توفير احتياجاته، بل تبدأ من الحضور الحقيقي في حياته، لأن الأطفال لا يحتاجون فقط إلى من يحبهم، بل يحتاجون أيضًا إلى من ينتبه إليهم.

وأحيانًا، تكون المسافة بين الحب والانتباه أكبر بكثير مما نتصور.

تم نسخ الرابط