لم تنتهِ المباراة عندما أطلق الحكم صافرة النهاية، بالنسبة لكثيرين، بدأت القصة بعدها، فبينما كان الحديث يفترض أن يدور حول الأداء والنتيجة والأهداف، خرجت من داخل الـ Fan Zone بالعاصمة الإدارية مشاهد أخرى خطفت الأضواء بالكامل، مشاهد لم تتحدث عن كرة القدم بقدر ما تحدثت عن سلوك بعض البشر عندما يختلط الحماس بالفوضى، والانفعال بغياب المسؤولية.
وأعترف أن أول ما خطر ببالي وأنا أشاهد هذه المقاطع لم يكن حجم الخسائر أو عدد المقاعد التي تعرضت للتلف، بل سؤال بسيط ومؤلم في الوقت نفسه: ماذا يفيد أن نبني أجمل الأماكن إذا كنا سنغادرها وكأننا لم نتعلم يومًا كيف نحافظ عليها؟
الحقيقة أن ما حدث لم يكن مجرد واقعة مرتبطة بمباراة كرة قدم، لأن المباريات تنتهي، والنتائج تتغير، والجماهير تنشغل بعد أيام بحدث جديد، أما ما يبقى فعلًا فهو ما تكشفه هذه المواقف عن طريقة تفكيرنا وسلوكنا ونظرتنا إلى ما نملكه كمجتمع.
كيف يمكن لمكان جُهز لاستقبال الآلاف وتوفير تجربة حضارية لهم أن يتحول في لحظات إلى مشهد من الفوضى والتخريب؟ وكيف يمكن لبعض الأشخاص أن يتعاملوا مع الممتلكات العامة وكأنها لا تعنيهم، وكأن المحافظة عليها مسؤولية شخص آخر؟
البعض وصف ما حدث بأنه حماس زائد، وآخرون اعتبروه مجرد تصرفات فردية لا تستحق كل هذا الجدل، وربما يكون ذلك صحيحًا جزئيًا، فلا أحد يستطيع أن يحاسب جمهورًا كاملًا على أفعال مجموعة محدودة، لكن المشكلة ليست في عدد من أخطأوا، بل في الفكرة التي تقف خلف الخطأ نفسه.
فالحماس لا يكسر المقاعد، والفرحة لا تدمر الممتلكات، والانتماء الحقيقي لا يظهر فقط في الهتاف والتشجيع ورفع الأعلام، بل يظهر أيضًا في احترام المكان الذي نجلس فيه، وفي إدراك أن ما هو ملك للجميع يجب أن نحافظ عليه أكثر لا أقل.
المؤلم أن هذه ليست المرة الأولى التي نشاهد فيها مثل هذه المشاهد، في كل مرة تقع حادثة مشابهة، ننشغل أيامًا بالغضب والانتقاد، ثم ننسى، وكأن شيئًا لم يحدث، لكن المجتمعات لا تتراجع بسبب الأخطاء وحدها، بل تتراجع عندما تعتاد الأخطاء، وعندما يصبح السلوك المرفوض أمرًا عاديًا يمكن تبريره أو التغاضي عنه.
التحضر لا يُقاس فقط بحجم المدن الجديدة أو جمال المشروعات أو ضخامة المنشآت الحديثة، التحضر الحقيقي يظهر عندما يغادر آلاف الأشخاص مكانًا عامًا كما وجدوه، يظهر عندما يشعر الإنسان أن المحافظة على الممتلكات العامة ليست خدمة يقدمها للدولة، بل احترام يقدمه لنفسه أولًا.
مشكلة وعي
فمن السهل أن نبني أبراجًا وطرقًا وساحات حديثة، ومن السهل أن ننفق مليارات الجنيهات على التطوير، لكن الأصعب دائمًا هو أن نبني وعيًا يوازي كل هذا البناء، ولهذا فإن القضية الحقيقية ليست في قيمة الخسائر المادية مهما بلغت، وليست في عدد المقاعد التي تعرضت للكسر، بل في الرسالة التي يتركها هذا المشهد خلفه، رسالة تقول إننا ما زلنا بحاجة إلى أن نستثمر في بناء الإنسان بنفس القدر الذي نستثمر به في بناء المدن.
ربما تُصلح كل التلفيات خلال أيام، وربما تختفي آثار الفوضى سريعًا، وربما ينسى الناس الواقعة كلها بعد أسابيع قليلة، لكن هناك سؤالًا واحدًا يجب أن يبقى حاضرًا في أذهاننا: إذا كنا نغضب عندما يُخدش شيء نملكه، فلماذا يصمت البعض عندما تتعرض ممتلكات تخص المجتمع كله للتلف؟
فالمقاعد التي كُسرت يمكن استبدالها، والممتلكات التي تعرضت للتلف يمكن إصلاحها، أما أخطر ما انكسر في ذلك اليوم، فهو احترام بعض الناس للمكان الذي احتضن فرحتهم.
وهنا لا تبدأ مشكلة مباراة… بل تبدأ مشكلة وعي








