و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

سؤال أثار جدلًا واسعًا بين جمهور مسلسل "يا ورد على فل وياسمين" بعد نهاية العمل، حيث رأى كثيرون أن طارق تخلّى عن حب عمره سريعًا، وأن زواجه وإنجابه بعد إلهام كان بمثابة اعتراف ضمني بأن تلك القصة لم تكن بالعمق الذي تخيّله المشاهدون.

لكن ماذا لو كانت المشكلة ليست في طارق، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى الحب؟، اعتدنا في الدراما العربية أن نربط الحب الحقيقي بالانتظار الأبدي، وأن نعتبر الاستمرار في الحياة نوعًا من الخيانة للذكريات، لذلك بدا للكثيرين أن زواج طارق دليل على أنه تجاوز إلهام، أو نسيها، أو استبدلها بامرأة أخرى، لكن الواقع الإنساني أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.

إلهام لم تكن مجرد حبيبة في حياة طارق، بل كانت مرحلة كاملة من التغيير والنضج، معها بدأ يتخذ قراراته بنفسه، وواجه سلطة والده، واكتشف شخصيته الحقيقية، وتعلّم أن يعيش وفق قناعاته لا وفق ما يُفرض عليه، ولهذا فإن تأثيرها في حياته لا يُقاس باستمرار العلاقة أو انتهائها، بل بما تركته داخله من أثر.

وكما كانت إلهام مرحلة مهمة في حياة طارق، فإن طارق أيضًا لم يكن مجرد حبيب عابر في حياة إلهام، بل كان لحظة مختلفة تمامًا أعادتها للحياة من جديد، كان سندًا حقيقيًا لها، وشعورًا بالأمان ربما افتقدته طويلًا، ونافذة رأت من خلالها أن هناك من يتمسك بها ويقدّرها ويمنحها قيمتها، لم يكن مجرد حب، بل تجربة أعادت تشكيل إحساسها بذاتها.

وهنا تكمن فكرة أعمق من مجرد علاقة عاطفية: أحيانًا لا يأتي الأشخاص ليبقوا، بل ليغيّروا داخلنا شيئًا لا يمكن تغييره بدونهم، ليس كل حب كُتب له أن يستمر، وليس كل من نحبهم كُتب لهم أن يكونوا نصيبنا.

أحيانًا يدخل أشخاص إلى حياتنا ليغيّروا مسارها فقط، ثم يرحلون، لا لأنهم أقل أهمية، بل لأن دورهم كان مختلفًا منذ البداية، من هذا المنطلق، لم تكن إلهام نصيب طارق بقدر ما كانت درسه الأهم، كما أن طارق كان أيضًا هدية في توقيت إلهام الصعب، وكأن الله جمع بينهما في لحظة احتياج متبادل، كل طرف كان فيه نقص ما، فجاء الآخر ليكمله إنسانيًا ونفسيًا، لا ليكون نهاية الحكاية.

ذكرى عابرة

ولهذا لا أرى أن زواجه كان خيانة لها، الخيانة كانت ستحدث لو أنكر أثرها، أو تعامل معها كذكرى عابرة، أما أن يكمل حياته، ويتزوج، وينجب، ويعيش سنوات جديدة، فذلك لا يعني أنه محاها من قلبه.

بل إن المشهد الأخير نفسه يترك مساحة واسعة لهذا التأويل، فبعيدًا عن الكلمات، بدت نظرات طارق مختلفة، كأن بعض الأشخاص لا يغادروننا تمامًا مهما مضت الحياة، فالاستمرار ليس نسيانًا، والزواج ليس خيانة، والحب الحقيقي لا يُقاس بالبقاء، بل بالأثر.

ونحن لا نفهم دائمًا حكمة الله في الأشخاص الذين يمرون بحياتنا، لكننا نكتشف لاحقًا أنهم لم يكونوا صدفة أبدًا.

تم نسخ الرابط