و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

خلف كل رجلٍ ناضج، متزن، يعرف كيف يحتوي ويواجه ويحترم، تقف امرأة لم تكن فقط "أمًا"، بل كانت مشروع تربية كامل يسير على قدمين، فالرجل لا يُولد رجلًا بالمعنى الحقيقي، بل يُصنع بالتدريج، في حضن أم، وفي طريقة كلامها، وفي نظرتها له، وفي حدودها معه، وفي كل مرة علمته فيها أن القوة ليست صوتًا عاليًا، وأن الرجولة ليست سيطرة، وأن الاحترام لا ينتقص من الهيبة.

الأم هي أول من يزرع داخل ابنها مفهوم الأمان، فإن نشأ وهو يُهان أو يُقارن أو يُقمع، خرج للعالم مرتبكًا، يبحث عن نفسه في السيطرة على الآخرين، أو يهرب من المسؤولية كأنها عقاب، أما حين تكبر الأم ابنها على الحوار، وعلى تحمّل النتيجة، وعلى الاعتذار إن أخطأ، فهي لا تربي "ولدًا مؤدبًا" فقط، بل تبني رجلًا صالحًا للحياة، الحقيقة التي لا يحب البعض سماعها، أن كثيرًا من الأزمات المجتمعية تبدأ من تربية مختلة.

رجل لا يعرف الاحتواء، لأنه لم يُحتوَ، ورجل يظن أن العنف رجولة، لأنه رأى القسوة بطولة، ورجل عاجز عن الشراكة، لأنه تربى كـ "سي السيد الصغير" منذ الطفولة، وفي المقابل، هناك رجال يشبهون الطمأنينة، تعرف من حديثهم أن خلفهم أمًا عظيمة، لم تربِّ ذكورًا فقط، بل ربّت ضمائر.

الرجولة السامة

الأم الذكية لا تصنع ابنًا "معتمدًا عليها" طوال العمر، بل تصنع رجلًا يستطيع أن يعيش، ويقود، ويحنو، ويشارك، دون أن يتحول إلى نسخة مشوهة من فكرة الرجولة السامة التي أرهقت المجتمعات، ولأن التربية ليست رفاهية، فكل كلمة تقولها الأم اليوم، ستظهر غدًا في شخصية رجل، ربما يقود بيتًا، أو يربي أطفالًا، أو يتخذ قرارًا يؤثر في حياة الآخرين.

لذلك، حين نقول إن الرجل صناعة الأم، فالأمر ليس مجاملة للأمهات، بل حقيقة اجتماعية ونفسية واضحة، فالأم لا تربي طفلًا فقط، هي تربي مستقبل امرأة أخرى ستلتقي بهذا الرجل يومًا ما.

تم نسخ الرابط