نعاني من نقص مساحات الظل
نادر نورالدين يحذر من استبدال أشجار الظل بنخيل الزينة: نقطع رئتنا بأيدينا
في الوقت الذي تتجه فيه العديد من دول العالم إلى زيادة الغطاء النباتي وإطلاق مبادرات لزراعة الملايين من الأشجار، تثار تساؤلات جوهرية حول الآلية والممارسات المتبعة في التعامل مع المساحات الخضراء في مصر، فهل التحول للأخضر أصبح شعارا مجردا، أم أن ما يجرى في الواقع يناقض متطلبات البيئة الصحراوية التي نعيش فيها وتغير المناخ الذي نواجهه؟
ويضع الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الزراعة والموارد المائية في جامعة القاهرة، أبعاد القضية على طاولة النقاش العلمي والبيئي، ليوضح الفارق الجوهري بين "التظليل" و"التخضير"، ومحذرا من التبعات الصحية والبيئية والمناخية الناتجة عن إزالة أشجار الشوارع التاريخية والمستديمة واستبدالها بنباتات لا تحقق الغرض البيئي المنشود، مؤكدا أن احتياج البيئة الحضرية يتلخص في التظليل الفعلي وليس مجرد التخضير الشكلي.
وقال الدكتور نادر نور الدين إن نخيل الزينة الممتد في عدد من الشوارع الرئيسية لا يمكن تصنيفه ضمن أشجار التظليل، كما أنه لا يسهم في خفض درجات الحرارة.
ويشير أستاذ الزراعة والموارد المائية إلى أن خصائص نخيل الزينة تتمثل في: أوراق محدودة وساق طويلة رخامية، وعدم قدرتها على امتصاص كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون، وعدم إنتاجها كميات كبيرة من الأكسجين، وعجزها عن ترسيب "العفرة" والرمال، وعدم قدرتها على التهدئة من سرعة الرياح.
ويشدد "نور الدين" على ضرورة الانتباه إلى الأهداف الزراعية في الطرق والمستحات بالمدن والمحافظات، وفي مقدمتها ضرورة تعويض الأشجار المقطوعة، بأشجار تظليل حقيقية، وليس استبدالها بشجيرات قصيرة أو حتى بأشجار مثمرة.
كما حذر من خطورة الأشجار المثمرة في الشوارع المزدحمة، فمع بث عوادم السيارات في الطرق المكتظة، تنتشر كميات هائلة من العناصر الثقيلة الغنية بالرصاص والكادميوم، وهي عناصر تسمم الثمار وتجعل تناولها ضارا للغاية بالصحة، وحتى في أمريكا والدول الأوروبية والأمريكية، لا يتم أكل ثمار أشجار الشوارع رغم هطول الأمطار الطويلة والغزيرة التي تغسل التلوث.
وأوضح الفرق بين التخضير والزراعة الإنتاجية، قائلا: لو كان الأمر مجرد "تخضير" دون النظر للوظيفة البيئية للمدينة، لكان الأجدى زراعة الجزر الوسطى بالفول والحمص شتاء والذرة صيفا لتوفير "فول أخضر وملانة" شتاء و"ذرة سكرى ومشوي" صيفا، ليتحول الأمر بعدها إلى إنفاق أضعاف ثمن هذا الغذاء الملوث على علاج المواطنين وأطفالهم من أضرار التلوث.
ويرى الدكتور نادر نور الدين أن التظليل يمثل هدفا قوميا في بيئة ذات طبيعة صحراوية تحافظ على درجات حرارة مرتفعة ممتدة من شهر أبريل وحتى نهاية شهر أكتوبر.
وفي ظل غياب المظلات الصناعية الكافية، تبرز الحاجة إلى الأشجار ذات خصائص معينة، وهي: مستديمة الخضرة، زاهية الأزهار، معمرة وتتعمق جذورها في التربة بسرعة، تعتمد على نفسها في الامتصاص المائي والغذائي سريعا.
ويستشهد "نور الدين" بالخبرات التاريخية الممتدة من العصر الخديوي والعصر الملكي في حسن اختيار أشجار الطرق وأشجار القصور، مؤكدا أن النخيل الملكي ونخيل الزينة مكانهما الطبيعي القصور والجامعات فقط، ولا يصلحان كأشجار تظليل في الطرق والشوارع العامة، متسائلا عن أسباب خشونة الذوق والتصرف بما يخالف المصلحة البيئية للمواطنين.
وينتقل أستاذ الزراعة والموارد المائية إلى تفنيد المفاهيم الخاطئة المتعلقة باستخدامات الأشجار المقطوعة وتحويلها إلى فحم، مميزا بين نوعين رئيسيين من الفحم، وهما فحم المغارات أو الفحم الحجري الأحفوري، وهو عالي الطاقة جدا، ويستخدم في الأغراض الصناعية الثقيلة كصهر الحديد وتوليد الكهرباء. ولا يصلح إطلاقا للشواء أو الاستخدامات المنزلية أو الشيشة، لما يسببه من أضرار جسيمة وقاتلة. أما الفحم النباتي، ينتج عبر التقطير الإتلافي للخشب المقطوع حديثا بعزله عن الهواء وتسخينه.
وينتقد أستاذ الزراعة قطع أشجار التظليل لإعادة تصنيعها كفحم نباتي، مشيرا إلى أن قطع الأشجار يفقد البيئة مزايا عدة تتمثل في الظل، وخفض درجات الحرارة، والتخلص من ثاني أكسيد الكربون، وإنتاج الأكسجين، والمنظر الجمالي واللون الأخضر والأزهار الزاهية.
تحويل الأشجار إلى فحم
أما على الصعيد البيئي والريفي، فإن تحويل خشب الأشجار إلى فحم عبر "القمائن البلدية" بواسطة التقطير الإتلافي اللاهوائي للحفاظ على طاقة الخشب، فيطلق كميات هائلة من غازات الاحتباس الحراري وغازات التلوث الخانقة، ما يستدعي ضرورة إنقاذ رئات أهالي الريف والمناخ من هذه الممارسات.
كما يلخص "نور الدين" السمات البيئية الصحراوية لمصر والحلول التشجيرية المطلوبة لمواجهتها في نقاط محددة، وهي: نقص مساحات الظل، والذي يتطلب زيادة مساحات الظل عبر زراعة أشجار تظليل كثيفة، وهبوب الرياح والعفار من الصحراء نحو المدن، ما يتطلب زراعة أشجار قوية ومستديمة الخضرة تعمل كصدادات للرمال والأتربة وتخفف حدة الأعراض على مرضى حساسية الصدر والربو.
ومن بين السمات أيضا التطرف الحراري وانعكاس الصهد، حيث يتسبب اللون الأبيض والأصفر للصحراء في انعكاس الحرارة وزيادة الإجهاد الحراري وضربات الشمس، بينما تعمل أشجار التظليل على خفض درجات الحرارة تحتها وفي نطاق المدن بمقدار يتراوح بين 4 إلى 8 درجات مئوية.
وأشار إلى ندرة الغطاء النباتي الطبيعي، فرغم انعدام الغطاء الطبيعي بسبب ندرة الأمطار، إلا أن وجود النهر والمياه الجوفية السطحية يمنح إمكانية حقيقية لزيادة المساحات الخضراء والغطاء النباتي.
ويرى نور الدين أنه لا يمكن القبول بامتزاج قسوة المناخ الصحراوي مع التغافل عن احتياجات المواطنين البيئية، مشددا على أن التشجير لأبد أن يبقى هدفا قوميا.
كما طرح الدكتور نادر نور الدين تساؤلا حول مدى جدية شعارات التحول للأخضر، وحذر من أن التصحر هو تحول الأرض الزراعية إلى أرض غير منتجة للغذاء شأنها شأن الصحراء، دون القدرة على إعادتها أرضا زراعية مرة أخرى. أي أن الأرض الزراعية هي التي تنضم للصحراء.
وأشار إلى أن أسباب التصحر، هي البناء على الأراضي الزراعية، وتقليع الأشجار والغابات، وهجوم مياه البحر على الأراضي الزراعية نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر أو أمواج التسونامي وعدم انحسارها، ونضوب مياه الأبار والأنهار.
وكشف نور الدين عن فقدان نحو مليون فدان جراء البناء على الأراضي الزراعية دون إدراك أن هذا السلوك يمثل تصحرا مباشرا يهدد الإنتاج الغذائي ويزيد من أعباء الاستيراد من الخارج.
واستغرب أنه في الوقت الذي يضع فيه جيراننا أهدافا لزراعة مليون شجرة و10 ملايين شجرة وصولا إلى مليار شجرة، يتم إزالة أشجار الشوارع المعمرة والتاريخية، وشبه قطع وتقليع أشجار الشوارع بمن ينتزع إحدى رئتيه، وأن الاستمرار في ذلك هو بمثابة استئصال للرئة الثانية.








