الأب فضل الابن على شقيقاته
«الاستئناف» تبطل عقوداً صورية ناقلة للملكية لحرمان البنات من الميراث لصالح الولد؟
تشهد العديد من القضايا الخاصة بنزاعات أسرية على الميراث، إشكالية المعاملات الصورية التي يقصد بها تفضيل بعض الورثة على حساب الآخرين، وهو ما نشهده في قضية صدر الحكم فيها من محكمة استئناف القاهرة الدائرة 8 مدني، والتي سلطت الضوء على القواعد الصارمة التي تحكم العقود والتركات، مؤكدة أن "الشكلية والركن الأساسي" و"حقيقة التصرف المضاف لما بعد الموت" لا يمكن التفاف القانون عليها عبر العقود الصورية.
ويمثل الحكم تحذيرا قانونيا وقضائيا لكل من يسعى لاستخدام عقود البيع أو الهبة الصورية للالتفاف على قواعد الميراث الشرعي، فالقضاء المصري يمارس سلطته التقديرية للبحث فيما وراء ظاهر النصوص المكتوبة ومعرفة النية الحقيقية للمتعاقدين، مؤكدا أن العقود التي تستهدف تفضيل بعض الورثة تحكمها قواعد الصورية المطلقة وأحكام الوصية التي تنفذ في حدود الثلث فقط.
وصدر الحكم عن محكمة استئناف القاهرة، الدائرة (8) مدني ومقرها بالعباسية، في الاستئناف رقم 14293 لسنة 28 ق، عن الحكم رقم 5900 لسنة 2023 مدني كلي شمال القاهرة، في جلسة الثلاثاء الموافق 22 أبريل 2025.

وتعود وقائع هذه القضية إلى دعوى مدنية أقامتها ابنتان ضد شقيقهما طالبت فيها ببطلان مجموعة من العقود المبرمة بين شقيقهما ووالدهم المتوفى بتاريخ 11 يناير 2022، وهي العقود المؤرخة جميعها بتاريخ موحد (1 مارس 2019)، وهي: عقد هبة وتنازل عن محلات تجارية، وعقد بيع محل تجاري بمنطقة باب الشعرية بالقاهرة، وعقد تنازل عن عقد إجارة ومقومات المحل التجارية والمعنوية "بيع بالجدك".
وكان الابن المستأنف ضده قد استند إلى هذه العقود للسيطرة الكاملة على الميراث من ممتلكات والده والمحلات التجارية واستبعاد شقيقتيه من الإرث الشرعي المحدد بموجب إعلام الوراثة رقم 400 لسنة 2022 الظاهر، ودفع ذلك البنتان إلى اللجوء للقضاء لإثبات بطلان تلك العقود واعتبارها كأن لم تكن، لكونها عقودا صورية بهدف حرمانهما من حقوقهما الشرعية.
وخلال الدعوى، فندت المحكمة العقود الثلاثة، وقالت في حيثيات حكمها، بسقوط عقد الهبة، قائلة إن الشكلية ركن انعقاد لا يصححه التسليم، وأوضحت أنه وفقاً للمادة 488 من القانون المدني المصري، يُعد عقد الهبة عقداً شكلياً لا يتم إلا بورقة رسمية، وأن الرسمية تُعتبر شرطاً وجوبياً لركن الإيجاب والقبول في العقد.
بطلان العقد
كما ثبت للمحكمة أن العقد المبرم بين الأب ونجله بشأن المحلين التجاريين لم يتخذ الشكل الرسمي المصنوع أمام الموثق المختص، وبالتالي فقد ركناً أساسياً من أركان انعقاده ويقع باطلاً بطلاناً مطلقاً متعلقاً بالنظام العام، ولم يغير من هذا البطلان ما ورد في ادعاء الابن حيازته واستلامه للمحلين، إذ أثبتت شهادة الشهود أن المحلات ظلت في حيازة الأب المورث وتحت يده حتى وفاته.
وفندت المحكمة أيضا عقد بيع محل باب الشعرية، باعتباره وصية مضافة لما بعد الموت، وقالت إنه فيما يتعلق بعقد البيع المبرم بتاريخ 1 مارس 2019 والمُتعلق ببيع المحل الكائن في منطقة باب الشعرية مقابل ثمن شكلي قدره 50 ألف جنيه، كشفت المحكمة عن ثغرة قانونية جوهرية وردت في البند الرابع من العقد، حيث نص على أن "الملكية تظل معلقة على شرط واقف وهو وفاة المورث".

واستنادا إلى المادة 489 من القانون المدني، أكدت المحكمة أن هذا التصرف ليس بيعا منجزا ناقلا للملكية في الحال، بل هو في حقيقته تصرف مضاف إلى ما بعد الموت (وصية)، وبالتالي لا ينفذ ولا يمكن إجازته إلا في حدود ثلث التركة فقط.
وفيما يخص العقد الثالث المتعلق بالتنازل عن عقد الإيجار والمقومات المادية والمعنوية للمتجر مقابل مبلغ 200 ألف جنيه، حيث أظهرت تحقيقات المحكمة قرائن عدة أثبتت صورية البيع، مع اطمئنان المحكمة لشهادة شاهدَي المستأنفتين بأن الأب لم يقبض أي ثمن من الابن.
وأول قرينة أن المبلغ المذكور بالعقد 200 ألف جنيه، هو ثمن بخس وتافه جدا لا يتناسب إطلاقا مع القيمة الحقيقية للمتاجر ومقوماتها المادية والمعنوية والسمعة التجارية وقت إبرام العقد، والثانية أن الابن المستأنف ضده كان شاباً في مقتبل العمر ولم يثبت امتلاكه القدرة المالية أو أدائه لهذا الثمن، والثالثة قصد الأب المورث كان التنازل الشكلي بغرض الاستمرار في السفر للخارج مع إبقاء ملكيته الحقيقية للمحلات.
وبناء على الأسباب القانونية الساطعة، ألغت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي الصادر من محكمة شمال القاهرة الكلية، وقضت بالأتي: حكمت المحكمة بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء ببطلان العقود موضوع الدعوى بطلاناً مطلقاً، وإعتبار العقد المتعلق بالمحل الكائن في باب الشعرية هو في حقيقته وصية لا تنفذ إلا في حدود الثلث فقط، وألزمت المستأنف ضده المصاريف عن الدرجتين ومبلغ مائة وخمسة وسبعين جنيهاً مقابل أتعاب المحاماة.









