و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

لطالما وُصف الجنوب الليبي (فزان) بأنه "الخاصرة الرخوة" أو الهامش الجغرافي الذي يدفع ثمن الصراعات المركزية بين شرق البلاد وغربها. إلا أن التحركات السياسية الأخيرة أثبتت العكس تماماً؛ فالجنوب لم يعد مجرد حيز معزول، بل تحول إلى المحرك الأساسي لإعادة تشكيل السلطة والنفوذ في ليبيا. وفي قلب هذا التحول الصامت يتصدر اسم سالم الزادمة، الذي أحدث قفزة نوعية في المشهد السياسي من خلال توليه منصب نائب رئيس حكومة الوحدة الوطنية عن المنطقة الجنوبية.

في هذا المقال، نسلط الضوء على الثقل السياسي لسالم الزادمة وحجم التغيير الذي أحدثته تحركاته الأخيرة في موازين القوى الليبية.

الثقل السياسي لسالم الزادمة: ركيزة التوازنات القبلية والميدانية

لا ينبع الثقل السياسي لسالم الزادمة من مجرد منصب تنفيذي في الدولة، بل يستند إلى عوامل موضوعية تجعله رقماً صعباً في أي تسوية شاملة:

الامتداد الاجتماعي والقبلي: يمتلك الزادمة شبكة علاقات وتأثيراً قبلياً واسعاً في مناطق فزان، وهي جغرافيا معقدة تتداخل فيها الحسابات الاجتماعية مع التوازنات الأمنية. هذا القبول الاجتماعي يمنحه شرعية محلية تفتقر إليها الكثير من الشخصيات السياسية القادمة من الشمال.

القدرة على المناورة بين الأقطاب: تميزت تحركاته بالقدرة على إيجاد قواسم مشتركة وسط مشهد منقسم. فبينما تحاول القوى المعتمدة في الشرق والغرب فرض سيطرتها، برز الزادمة كشخصية قادرة على إدارة التناقضات وحماية مصالح الجنوب الإستراتيجية دون الانزلاق إلى صدام مسلح مباشر.

التمثيل الحقيقي للجنوب: يُنظر إليه في الداخل الفزاني على أنه يمثل تطلعات منطقة عانت طويلاً من التهميش الخدمي والأمني، مما يجعله ناطقاً باسم كتلة بشرية وجغرافية حاسمة لملف الاستقرار.

حجم التغيير في المشهد السياسي الليبي

شكلت الخطوات الأخيرة للزادمة، ولا سيما استلام مهامه رسمياً من ديوان رئاسة الوزراء في طرابلس عقب التعديل الوزاري المعتمد من المجلس الرئاسي، نقطة تحول جوهرية أنتجت تغييرات ملموسة على عدة أصعدة:

1. إعادة رسم التوازنات الإقليمية (شرق - غرب - جنوب)

أدى دخول الزادمة بثقله إلى العاصمة طرابلس إلى كسر احتكار الثنائية التقليدية (طرابلس وبنغازي) لإدارة المشهد. فتحركاته الأخيرة منحت طرابلس أوراق قوة إضافية قبل الدخول في أي مفاوضات مرتقبة مع معسكر الشرق، وجعلت من فزان محوراً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة لتقاسم السلطة أو الثروة.

2. سحب فتيل الصراع المسلح واحتواء التوترات

يعد الجنوب بيئة خصبة للتوترات بسبب التنافس على المعابر والحدود الرخوة واقتصاد الظل. ومن خلال اتصالاته الواسعة مع القيادات الأمنية والمدنية والمجلس الرئاسي، نجح الزادمة في بلورة مقاربة تهدف إلى استقرار المنطقة خدمياً وأمنياً، مجهضاً محاولات تحويل الصحراء الليبية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو المحلية.

3. إحياء الملفات الإستراتيجية للجنوب

أحدث الزادمة تغييراً في طريقة تعاطي الحكومة المركزية مع ملفات فزان؛ حيث دفع بملفات مكافحة الهجرة غير الشرعية، وتأمين الحدود الحيوية، وتوفير الخدمات الأساسية من وقود وسيولة مالية إلى واجهة الأولويات الحكومية، معتبراً أن استقرار العاصمة يبدأ من تأمين بوابتها الجنوبية.

خلاصة القول:

إن التحركات الأخيرة لسالم الزادمة تجاوزت إطار التكليفات الإدارية الروتينية؛ لتصبح خطوة إستراتيجية أعادت بناء التوازنات السياسية في ليبيا. لقد أثبت الزادمة أن "صناعة القرار الليبي" لم تعد حكراً على مدن الشمال، وأن الصحراء الليبية، برغم صمتها، أصبحت قادرة على فرض إيقاعها ورسم ملامح المرحلة القادمة بقوة وثبات.

تم نسخ الرابط