و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

تحتضن المشاعر المقدسة بمكة المكرمة والمدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية خلال موسم الحج للعام الحالي 1447/ 2026 الذي بدأت مناسكة منذ ساعات قرابة 2 مليون حاج وحاجة، وتولي المملكة عناية كبيره واهتمام بضيوف الرحمن من كل الجنسيات وتقدم السلطات في المملكة إجراءات وتيسيرات لمساعدة الحجيج على أداء مناسكهم في سكينة ويسر.

ويتزامن مناسك الحج هذا العام ومنطقة الشرق الأوسط تشهد توترا حذرا عقب موجة من الهجمات التي شنتها إيران على منشأت حيوية في السعودية ودول الخليج المجاورة وذلك ردا على هجوم الولايات المتحدة وإسرائيل عليها خلال الحرب التي استمرت قرابة 40 يوما وتوقفت بهدنة تمهيدا لاتفاق نهائي بين الطرفان عبر مفاوضات تتوسطها باكستان بمساندة من الرياض التي تلعب دورا كبيراً في استقرار المنطقة.

الحجاج الإيرانيين

وانطلاقا من دورها في العالمين العربي والإسلامي لعبت الدبلوماسية السعودية دورا مكثفا ونشطا لمنع توسيع رقعة الحرب وسقوط المنطقة في أتون العنف والفوضى، كما ان المملكة رفضت طلبا استخدام اراضيها ومجالها الجوي ومياهها الإقليمية لأي اعمال عسكرية ضد الاراضي الإيرانية، وساهمت الرياض في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران وتثمن دور الوسيط الباكستاني لاستئناف المفاوضات والوصول لحلول دبلوماسية تنهي التوتر في المنطقة، برغم ما تعرضت له المملكة من اعتداءات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية، في هذه الحرب والتي لم تكنِ المملكة جزءاً منها، استقبلت مطارات ومواني المملكة ألاف الحجاج الإيرانيين 

والذي يُقدّر عددهم بأكثر من 30 ألف حاج، وقد شاهد الملايين حول العالم عبر الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي فيديوهاتِ استقبال الحجاج الإيرانيين لدي وصولهم المدينة المنورة، بترحاب كبير، من السلطات في المملكة حيث قُدّمت لهم الورودُ وهم يتوافدون تباعاً لأداء مناسك الحج بيسرٍ وأمانٍ ضمن مئات ألاف الحجاج الذين تقدم لهم كل سبل الراحة والمساعدة، تحرص المملكة السعودية دائما وبشكل قطعي لا يقبل الشك على إبقاء الصراعات بعيدا عن أجواء ومناسك الحجّ الذي يشكل واحدا من أكبر التجمعات الدينية السنوية في العالم.

وحفاظا علي سلامة الحجيج ومكانة وقدسية المشاعر المقدسة جاء تحذير وزارة الداخلية في بيان منشور من "رفع الأعلام السياسية والمذهبية والهتافات بجميع أشكالها داخل مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة"، ففي أعقاب الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979 شهدت الأماكن المقدسة في مكة حوادث عنف واضطرابات تورط فيها حجاج إيرانيون، حيث قاموا  بالتدافع اثناء اداء المناسك مرددين شعارات سياسية تمنعها الرياض مما تسبب في تزاحم وأعمال عنف، وفي موسم الحج عام 1436/ 2015، لقي 464 حاجا إيرانيا مصرعهم في حادث تدافع يعد الأسوأ في تاريخ مواسم الحج.

وخلال حرب الـ 12 يوماً من المواجهة التي اندلعت بين إسرائيل وإيران، عام 2025، ونظرا للظروف الصعبة في عودة ألاف الحجاج الإيرانيين لبلادهم بسبب التوترات قامت المملكة وقتها، بـ«تسهيل جميع احتياجات الحجاج الإيرانيين، وتوفير كافة الخدمات لهم، وتحملت المملكة في ذلك الوقت نفقات إقامتهم حتى تهيأت الظروف لعودتهم إلى وطنهم وأهليهم سالمين»، لذلك جاء بيان وزارة الداخلية كاشفا وحاسما للتذكير والتحذير من رفع اعلام سياسية ومذهبية في المشاعر المقدسة.

يتمثل نهج حكومة المملكة خلال موسم الحج والعمرة المحافظة على النظام العام حيث تدعو جميع الحجاج الالتزام بالقوانين الخاصة المنظمة لأداء الشعائر والحفاظ   على قدسية المكان والبعد عن رفع الشعارات والهتافات السياسية، فالحج شعيرة دينية وركن من اركان الإسلام الخمسة لذلك يمنع استخدام الحج كـ "منصة" سياسية لأغراض تفسد اداء المناسك، وبعيدا عن التوترات الجيوسياسية والصراعات والتحليلات التي تملأ ساحات الفضاء حول تجدد الحرب، ونتائج المفاوضات بين واشنطن وطهران، يؤدي قرابة مليوني حاج وحاجه المناسك، هذا العام في اجواء روحانية.

هؤلاء الحجاج تركوا كل متاع الدنيا الأبناء، المال، الوطن جاءوا من كل فج عميق محرمين ملبيين ومكبرين جاءوا ليقضوا ثفتهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق "ولْيقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق" اية " 29/الحج "، يعد يوم عرفة أبرز موسم الحج فهذا اليوم أكثر ايام السنة قدرة الذي يجتمع فيه ملايين المسلمين في مكان واحد وفي وقت واحد مما، يدل على شعور جمعي عابر للحدود والانتماءات الفقهية والمذهبية الضيقة، لم تكن أداء مناسك الحج نزهة بل مشقة وتؤدي تحت شمس حارقة وفي أجواء خانقة، مع توقعات بتجاوز درجات الحرارة في المشاعر المقدسة 40 درجة مئوية، وقد تسببت ارتفاع درجات الحرارة خلال موسم الحج عام 1445/2024 في وفاة أكثر من 1,300 شخص، عندما تجاوزت درجات الحرارة 50 درجة مئوية.

مما دفع بالسلطات السعودية إلي اتخاذ سلسلة من الإجراءات والتدابير اللازمة للتخفيف من آثار الحر، بما في ذلك توفير المزيد من المناطق المظللة المجهزة بوسائل التهوية إضافة الى أجهزة رش رذاذ المياه وآلاف من الكوادر الطبية الإضافية، حيث أعلنت وزارة الصحة في المملكة عن توفير أكثر من 50 ألفا من الكوادر الطبية ونحو3,000 سيارة إسعاف لتقديم المساعدة للحجاج، تتمتع المملكة العربية السعودية بثقل كبير، وتمثل ركيزة اساسية في العالم الإسلامي، فهي بلد الحرمين الشريفين وقبلة أكثر من 2 مليار مسلم في كل بقاع الأرض تلك الرمزية الدينية والروحية بما تمثله من قوة ناعمة فريدة كما يمنحها مسؤولية الحرمين الشريفين "قوة روحية ما يجعلها مركزاً محورياً لصناعة القرار في العالمين العربي والإسلامي.

وللرجوع للوراء قليلا نجد أن لقب «خادم الحرمين الشريفين» لقب أطلق على ملوك المملكة العربية السعودية ويعد الملك فيصل بن عبد العزيز أول ملك للمملكة أتخذ لقب خادم الحرمين لكن بشكل غير رسمي، وتحول اللقب إلى رسمي في عهد الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود أول ملك سعودي يلقب بـ "خادم الحرمين الشريفين" بدلاً من لقب "صاحب الجلالة"، وتعد هذه الألقاب أكثر قرباً وحباً لهم، فلقب خادم الحرمين يخص ملوك المملكة بشرفِ العناية بالحرم المكي وبالكعبة المشرفة في مكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، من هنا فخادم الحرمين الشريفين مسؤول عن راحة الحجاج وسلامتهم، حتي يعودوا إلى أوطانهم سالمين. 

 اللافت للنظر ان الملايين التي تفد إلي المملكة سواء في موسم الحج او العمرة في زيادة مستمرة وتحتاج إلي توسعات في المشاعر المقدسة وهو ما قامت وتقوم به المملكة باستمرار فقد شهدت المشاعر المقدسة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان العديد من  المشاريع التطويرية التي توفر كل سبل الراحة لضيوف الرحمن وتساعدهم علي أداء مناسكهم بكل يسر وسهولة في أجواء روحانية أمنة من بين هذه المشاريع وفقا لبيان الحكومة في المملكة زيادة المساحات الخضراء وتطوير المناطق المخصصة لاستراحة الحجاج على مسارات المشاة إلى تنفيذ 79 مجمعاً ذا طابقين تضم 7838 دورة مياه حديثة في مشعر منى.

وتطوير منظومة برادات المياه المخصصة للشرب وغيرها من المشاريع النوعية المتعددة لتعزيز كفاءة البنية التحتية وتطوير المرافق الخدمية بما يواكب احتياجات الضيوف ويوفر تجربة حج أكثر راحة، كما شملت المشاريع التطويرية استبدال أعمدة الرذاذ التقليدية بـ 400 عمود لمراوح رذاذ حديثة ومتطورة في الساحة الغربية لمنشأة الجمرات بعد أن شهدت المرحلة الأولى استبدال 200 عمود العام الماضي، فيما استهدف موسم حج هذا العام استبدال 200 عمود إضافي، وتمتاز التقنية الجديدة بقدرة فائقة على تلطيف الأجواء المحيطة بالحجاج، مما يوفر أجواءً ملطفة تخدم ما يقارب 180 ألف حاج في الساعة الواحدة أثناء توجههم لأداء نسك رمي الجمرات.

دورة اقتصادية

إضافة إلى استخدام الأرضيات المطاطية في المشاعر المقدسة بوصفها حلاً هندسياً مبتكراً لتعزيز راحة الحجاج، خصوصاً في مسارات المشاة الطويلة والمناطق ذات الكثافة العالية وتساعد هذه التقنية على امتصاص الصدمات وتخفيف الضغط على الكواحل والأقدام وصُممت لتكون صديقة للبيئة، حيث تعمل على تقليل حرارة أسطح المشاة، مما يوفر بيئة مشي أكثر برودة وراحة.

تشهد كلا من مكة المكرمة والمدينة المنورة زيادة كبيرة في حجم الاستثمارات حيث، تتوسع الفنادق بوتيرة متسارعة وتتزايد المشاريع العقارية الكبيرة حول المشاعر المقدسة في الحرمين، إضافة الي ما تشهده المطارات ووسائل النقل والقطارات من تطوير مستمر وذلك لتيسير حركة ملايين الحجاج والمعتمرين. ووفقا لـ بيانات رسمية بلغ عدد مرافق الضيافة المرخصة في مكة أكثر من ألف منشأة مع الاستمرار في بناء آلاف الغرف الفندقية الجديدة التي تستوعب اعداد كبيرة من الزوار.

وتستهدف المملكة زيادة عدد المعتمرين إلى أكثر من 30 مليونا سنويا بحلول عام 2030 ضمن رؤية 2030، وتعمل المملكة على تحويل السياحة الدينية من نشاط موسمي محدود إلى دورة اقتصادية مستمرة طوال السنة، ووفقا لبيانات برنامج خدمة ضيوف الرحمن إلى ان ما يقرب من 20 مليون حاج ومعتمر استقبلتهم المملكة عام 2024، كما تشير البيانات إلى ان عدد الحجاج بلغ العام الماضي نحو 1.67 مليون حاجا، رسالة المملكة للحجاج تتمثل في الأمن والسلامة والطمأنينة والروحانيات، والبعد كل البعد عما يثير الفُرقة والخلاف، بين الحجاج.

تم نسخ الرابط