و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

تدور أغلب السجالات السياسية والإعلامية فى اللحظة الراهنة، حول مستقبل المنطقة، وعما إذا كانت هناك حرباً ايرانية أمريكية صهيونية مرتقبة، أو التوصل لاتفاق ينهي الحرب، التي أضرت بلدان الخليج العربية، مثلما أضرت ايران، لكن ما بين التوافق أو التباين، أو التعارض في الرؤى والتفسيرات، الا ان احتمالات الحرب ما زالت قائمة، وعلينا ألا نغفل حقيقة دامغة، مفادها أن كل ما يخرج من الأبواق الاعلامية، ليس إلا اجتهادات في تفسير التسريبات، التي تخرج من أجهزة استخبارات، ربما لجس النبض، أو مصادر قريبة من دائرة التفاوض، فلا أحد من دعاة الدراية بكل شيء، لديه معلومات مؤكدة عما يدور في الكواليس و بين جدران الغرف المُغلقة.

ويبقى السؤال الأهم في السجال الدائر، باعتباره الركيزة التي يمكن البناء عليها، من الذي ربح، ومن الذي خسر فى هذه الحرب أمريكا أم إيران؟، للإجابة، يجب قراءة الخطاب السياسي الصادر من طرفي الصراع، والتسريبات المتعلقة بالمفاوضات، قراءة متأنية، أقول تسريبات، ربما تتضمن معلومات شبه مؤكدة، أو أنها مجرد بالونات اختبار موجهة، سواء للداخل الإيراني أو للداخل الامريكي، خاصة أن المراقبين  ينتظرون بفارغ الصبر، الاعلان عن بدء تنفيذ التوقيع على مذكرة تفاهم بين الطرفين.

وفق ما تم ترويجه في الميديا، والتي تتضمن، وقف إطلاق النار لمدة 30 يوماً حول ما يتعلق  بفتح "مضيق هرمز" كممر دولى، بدون رسوم كما كان، ثم تبدأ مفاوضات المرحلة الثانية خلال 60 يوماً، للتفاوض علي عدد من الملفات، تشمل البرنامج النووي، و انهاء الحصار الفوري عن الموانئ الإيرانية، و إلزام الكيان الصهيوني بوقف الحرب علي لبنان، والافراج عن 25 مليار دولار بشكل فوري، فضلاً عن الغاء حظر بيع النفط، تمهيداً لرفع القيود على أموال إيران المجمدة.

 لكن تبقي العقدة الأكثر صعوبة في التفاوض، تلك التي تخص مصير اليورانيوم المخصب، حيث يعتبر "ترامب" رضوخ إيران لشرط تسليمه لأمريكا، بمثابة الضربة الحاسمة والعنوان الأكثر بريقاً، لتسويق انتصار وهزيمة إيران، الأمر الذي ترفضه طهران جملة وتفصيلاً، الواقع على الأرض، يشير الي أن ترامب لم ينتصر على إيران، لكنه يسعي لتحقيق انتصار، وتصريحاته ليست إلا "بروبجندا" إعلامية.

لكن ماذا ربحت إيران من الحرب؟، لا يمكن إنكار حزمة من الشواهد باتت حاضرة، فصمودها رغم عدم التكافؤ، رسخ مكانتها كقوة مؤثرة إقليمياً و دولياً، ما يجعل أمريكا ستفكر ألف مرة، قبل تهديدها مرة أخري بأي عمل عسكري، و لو محدود، لإسقاط النظام، كقضية رئيسية للكيان الصهيوني، كما أثبتت الحرب حقيقة مهمة لا يمكن تجاهلها، عنوانها، تماسك الجبهة الداخلية و اصطفافها خلف النظام، رغم الاختراق الاستخباراتي غير المسبوق في مفاصل الدولة، كما ثبت واقعياً، أن القواعد العسكرية الامريكية في الخليج غير قادرة علي حماية تلك البلدان.

ما فتح الباب لانتقادات واسعة، حول نهب مئات المليارات، بزعم حمايتها، ما سيؤدي لرفض وجودها مستقبلاً ، والاهم من هذا كله، المخاوف في دوائر القرار ببلدان الخليج العربية من إتمام صفقات سرية بين واشنطن و طهران، تسمح بتنامي نفوز الأخيرة كقوة إقليمية، قادرة علي فرض سياستها على المنطقة، و لما لا فالمخاوف مشروعة و طبيعية، ففي أعقاب سقوط نظام صدام حسين في العراق، تم تسريح 1,3 مليون ضابط و جندي، و على أثر ذلك، سلمت أمريكا العراق لإيران، و من هنا بدأ تفكيك الدولة المهمة إقليميا، والكبيرة عسكرياً، ثم تمزقت على أساس مذهبي وعرقي، وأصبحت المنطقة تعاني من فراغ استراتيجي .

ورغم حالة الاستنفار الدبلوماسي غير العادي للتوصل الى اتفاق، ستظل ورقة المخاوف من انهيار النظام الإقليمي، هي الأكثر طغياناً على ما سواها، فما آلات الأحداث على الأمن القومي العربي فى ظل غياب الشرعية والقانون الدوليين، لا زالت تنذر بمخاطر كبيرة جراء البلطجة الأمريكية، التي لا يعنيها في الشرق الأوسط سوي ثرواته، وحماية أمن الكيان الصهيوني وضمان تفوقه، ولو على حساب المنطقة كلها، وليس إيران وحدها. 

و في هذا السياق الغير محدد الملامح، لا يوجد صوت عاقل يدعو للحرب، أو يتمناها، كما يُحسب للدولة المصرية الدور الإيجابي الذي قامت به، لإحباط محاولات أمريكا و معها الكيان الصهيوني، لجر بلدان  الخليج العربية للحرب، و توريطها في مواجهة ايران، كطرف مباشر في صراع لا يعنيها، فالحرب ليست نزهة، أو بقرار عنتري غير مدروس، كما فعل ترامب و معه نتنياهو، فأمريكا التي تمتلك قوة نووية، والدولة الأكبر في العالم من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، لا زالت تتردد في قصف وضرب إيران، رغم الاعلان عن حشد قوات و حاملات طائرات و..و..و.. الخ، فهي تتخوف التبعات، كما أن إدارتها لمست من خلال المواجهات، قدرة إيران على مواصلة استنزافها واثبات القدرة على الصمود في حرب طويلة، ستؤثر بالسلب على الاقتصاد العالمي، وعلى إدارتها سياسياً.

 وبمقياس القوة ذاته، روسيا مثلاً، تمتلك ترسانة عسكرية مُرعبة بل تفوق الخيال، الا أنها لم تستخدمها في حربها ضد أوكرانيا وتنهى الحرب بضربة واحدة؟ رغم انها قادرة على ذلك، أما الصين فحدث ولا حرج، فهي تمتلك قوة عسكرية جبارة، لا تقل عن امريكا وروسيا، لكنها لم تستخدمها لاستعادة تايوان؟

تصريحات متناقضة

هذه التساؤلات تبدو منطقية، ويجب أن تكون حاضرة في الأذهان، عندما يتعلق الأمر بالحديث عن قدرة أمريكا على الاستمرار في الحرب، و ما يصاحب ذلك من تدابير الإنزال البري و خلافه، حسب تصريحات ترامب المتناقضة، فمثل هذه القرارات المصيرية لا تخضع للانفعالات العاطفية، لأنها لا تتعلق بالتفوق العسكري وحده، انما بحسابات أخري شائكة، منها الأوضاع الاقتصادية، والظروف الاجتماعية.

وكيفية حشد الجبهة الداخلية، ومدى دعم الحلفاء إقليميا ودولياً على المستويات كافة، من معي، ومن ضدي، وكيفية امتصاص آثارها ونتائجها، والتعافي منها، إلى جانب قدرة كل طرف على التحكم بمساراتها، ابتداءً من تحديد بدايتها حتى نهايتها، وغالباً تنتهى على طاولة التفاوض، أو تتجدد حال فشل تحقيق الأهداف المرجوة.

يا سادة، قرار الحرب لا يخضع للمواقف الانفعالية، أو التقييم العاطفي، عما إذا كان القرار صحيحاً، أم غير صحيح، فهناك فرق شاسع بين الحرب بحساباتها المعقدة، وأهدافها المحددة، بخلاف عمليات الاستنزاف، التي تخضع لقواعد اشتباك، شيء مقابل شيء، تصعيد مقابل تصعيد، وليست حرب مفتوحة.

تم نسخ الرابط