هجوم وهجوم مضاد
حرب تصريحات بسبب سد النهضة.. إثيوبيا تتهم مصر بـ«الهيمنة» وخبراء: علاجكم «الطريقة الترامبية»
تشن إثيوبيا حملة ضد مصر من خلال أذرعها الإعلامية حول ملف سد النهضة، عبر توجيه انتقادات وترويج أكاذيب بسبب اعتراض القاهرة على إجراءات ملء وتشغيل السد، في الوقت الذي تؤكد فيه مصر استمرار رفضها لأي خطوات أحادية قد تؤثر على حقوقها المائية، مع التمسك بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم إدارة مياه النيل.
وفي الفترة الماضية، كثفت وسائل الإعلام الإثيوبية الرسمية، من نشر مواقف مسؤولين وسياسيين للهجوم على الاعتراضات المصرية على تشغيل سد النهضة، قائلين إن الموقف المصري يتجاهل مزاعم أديس أبابا حول حقوق دول المنبع في الاستفادة من موارد النيل لتحقيق التنمية، وليس الإضرار بدولتي المصب.
ومن ضمن تلك الحملة، ما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، عن عضو مجلس النواب الاثيوبي محمد العروسي، قوله إن الاتهامات الموجهة إلى بلاده بشأن التصرف بشكل أحادي في ملف السد لا تعكس، الوقائع المرتبطة بالقانون الدولي أو تاريخ استخدام مياه النيل، زاعما أن الموقف المصري يقوم على المطالبة بحقوق حصرية في مياه النهر.
ونشرت الوكالة أيضا مقالا لكاتب ومحام يدعى آل مريم، هاجم فيه استخدام مصر مصطلح "الإجراءات الأحادية" في وصف التحركات الإثيوبية المتعلقة بسد النهضة، وزعم أن ذلك الخطاب يستهدف التأثير على صورة أديس أبابا خارجيا، كما أكد رفضه ما وصفه بمحاولات تقديم المشروع على أنه تهديد لدولتي المصب.
وانتقد الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الري الأسبق، الحملة الإثيوبية والتي تضمنت تصريحات لمفكرين ومسؤولين إثيوبيين، واتهموا فيها مصر بما وصفوه بالهيمنة المائية"، وأكد أن تلك المزاعم "هراء مخز لا يليق بدولة جوار".
وقال وزير الري الأسبق إن تلك الأفكار والتصريحات تتجاهل الحقائق المتعلقة بالموارد المائية في البلدين، لافتا إلى معاناة مصر من شح مائي واعتمادها على استيراد مجموعة واسعة من الأغذية وتحلية مياه البحر لتغطية الاحتياجات المائية.
وأشار "علام" إلى أن نصيب الفرد من المياه لا يتجاوز 500 متر مكعب سنويا، ما يعني أن مصر ضمن الدول التي تعاني من الفقر المائي، إضافة إلى استيراد أكثر من نصف احتياجاتها الغذائية، والتوسع في مشروعات تحلية مياه البحر لتوفير مياه الشرب والاستخدامات الصناعية.
وفي المقابل، فإن إثيوبيا تتلقى أكثر من 1000 مليار متر مكعب من الأمطار سنويا، إضافة إلى امتلاكها أنهارا وبحيرات وموارد مائية وفيرة، وأن نصيب الفرد من المياه هناك يبلغ عدة آلاف من الأمتار المكعبة سنويا، مع امتلكها قطاعا زراعيا وثروة حيوانية كبيرة، وتصدير كميات ضخمة من الحاصلات الزراعية.
وأوضح "علام" أن الحديث عن هيمنة مصر على نهر النيل يتعارض مع الواقع، لأن مصر دولة مصب قامت حضارتها على ضفاف النيل منذ أكثر من 7000 عام، وطورت على مدار تاريخها منشآت مائية وشبكات ري وقنوات، إلى جانب تحقيق مستويات مرتفعة من كفاءة استخدام المياه مقارنة بالعديد من الدول الإفريقية.
وتسائل وزير الري الأسبق: "يتحدثون عن هيمنة مصر على نهر النيل الدولي، ومصر هي دولة المصب، فهل يعي المتحدث عما يتحدث عنه؟"، مشيرا إلى أن مصر تحتاج إلى زيادة مواردها المائية لمواجهة التحديات المتزايدة.
سياسات إثيوبيا
وأعرب عن أمله في أن تتبنى إثيوبيا نهجا قائما على التعاون المشترك بدلا من السياسات التي تؤدي إلى التوتر، وأكد الشراكة بين مصر والسودان وإثيوبيا يمكن أن تمثل محورا للتنمية في شرق أفريقيا، لتحقيق مصالح شعوب الدول الثلاث، كما أكد أن التنمية والتعاون وتبادل الخبرات تمثل الخيار الأمثل لجميع الأطراف، داعيا إلى تغليب صوت العقل والعمل المشترك بدلا من استمرار الصراع، لما فيه مصلحة واستقرار المنطقة.
وقال أيضا: "كنت أتمنى أن أرى مصر - السودان - إثيوبيا محورا للتنمية في شرق إفريقيا بدلا من الصراع الذي لا طائل لأثيوبيا من ورائه وما نهاية هذا الصراع الذي تخوضه إثيوبيا لصالح دول معادية؟ ماذا تستفيد إثيوبيا وشعبها نتيجة هذه السياسات المعادية؟ خسارة للجميع بدلا من البناء والتنمية والتعمير، فهل من عقلاء يهتمون بالتنمية بدلا من العداء؟ يهتمون بتبادل الخبرة والعلم والمنفعة مع دول الجوار؟".
أما الدكتور نادر نور الدين أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، فرد على المزاعم الاثيوبية قائلا: إن إثيوبيا تقول إنها خلصت النهر من الهيمنة المصرية، فكيف تكون الهيمنة المصرية ولم نبن سدا يمنع المياه عن دول بعدنا؟ كيف تكون الهيمنة من دولة مصب وليست دولة منبع شريرة الفكر؟ كيف تكون هيمنة ومياه النهر تصلنا بالخلق الرباني دون تدخل ودون ان تكون لنا طلمبات تسحب المياه من دول المنابع؟ وكيف تكون الهيمنة ولم نطلب من اي دولة في الحوض بعدم استخدام ما يكفيها من المياه، بل ونساعدهم في تطهير البحيرات ومجرى النهر وانشاء محطات مياه الشرب؟
وأضاف أستاذ الموارد المائية: اذا كانت الهيمنة المصرية ممقوتة فهل انتقلت الان الي الهيمنة الاثيوبية الحميدة؟ هل تعهدتم بحد ادنى من المياه تخرج من سدكم العدوانى تقارب او تساوى ما كان يساهم به النيل الازرق في مياه مصر والسودان؟!
وواصل "نور الدين" هجومه على المزاعم الإثيوبية قائلا: هل امتلاكم مفاتيح النهر الان ليست هيمنة؟ مرة فيضان من صنعكم في سبتمبر قبل الماضي، ومرة جفاف من صنعكم هذا العام ثم تدعون كذبا ان السد مفيد كثيرا للسودان ولهذا توقفت محطات مياه الشرب عن العمل وتوقف وصول المياه للحقول وتوقف وصول الطمى المخصب لاراضي السودان؟
وتسائل: هل من ضمن الهيمنة الحميدة لكم على النهر ان تتحمل السودان ومصر فقط تبعات السنوات العجاف، بينما انتم تخزنون المياه القليلة اولا في بحيرتكم لان توليد الكهرباء للبيع اهم من حياة الشعوب التي قدر لها ان تجاوركم؟ هذا هو الفكر العجيب الذي نتفاوض معه والذي لن يجدي معه ابدا الا باستخدام الطريقة الترامبية.
وكانت مصر موقفها الرافض للإجراءات الأحادية التي تتخذها إثيوبيا في ملف سد النهضة، وأكدت أن إدارة السد بعيدا عن التنسيق مع دولتي المصب مصر والسودان تمثل مخالفة لأحكام القانون الدولي.
الموقف المصري جاء على لسان الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية، الذي قال إن إثيوبيا تواصل التحرك بشكل أحادي في إدارة وتشغيل سد النهضة، دون التشاور أو التنسيق مع مصر والسودان، وبما لا يراعي مصالحهما أو المبادئ الحاكمة لإدارة الأنهار الدولية، وإن القانون الدولي واضح فيما يتعلق بإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، ولكن إثيوبيا أدارت السد خلال السنوات الماضية بصورة مسيّسة، بعيدا عن التوافق بين الدول الثلاث.
واتهم "عبد العاطي" إثيوبيا قائلا إن عمليات حجز المياه دون تنسيق مسبق أسهمت في انخفاض مناسيب نهر النيل، الأمر الذي أثر على جهود مصر في توفير مياه الشرب للمواطنين، كما أن فتح بوابات السد دون إخطار مسبق أدى إلى غرق مناطق في السودان، وتسبب في اضطرابات في مناسيب المياه داخل مصر.
ولفت وزير الخارجية إلى أن مصر لا تعارض حق إثيوبيا في تحقيق التنمية والاستفادة من مواردها الطبيعية، لكنها ترفض أن يتم ذلك على حساب الحقوق التاريخية والقانونية لدولتي المصب، قائلا: "لإثيوبيا الحق في التنمية، ولمصر الحق في الحياة"








