ملف أعظم محامى مصر
أحمد الخواجة حارس قلعة الحريات .. نقيب فرض استقلال «المحامين» على 3 رؤساء
يعد أحمد الخواجة النقيب الـ 22 للمحامين أسطورة قانونية بارزة، ورمزاً حياً من رموز نضال القضاء والمحاماة في العالم العربي، حصل على لقب «نقيب النقباء» بوصفه الشخصية الأكثر قيادة لنقابة المحامين وأطولهم مدة في منصب رئيس اتحاد المحامين العرب.
صاغ الخواجة بذكائه وفصاحته عصرا ذهبيا للمهنة، عاصر خلاله تحولات سياسية عاصفة وثلاثة من رؤساء مصر «عبد الناصر، السادات، ومبارك»، ورغم التحولات ظل حتى وفاته يمثل الظهير القانوني المدافع عن استقلال النقابة والحريات العامة.
بدأ أحمد الخواجة مسيرته كمحام شاب تحت التمرين، يتنقل بين المحاكم ويكتسب الخبرة من شيوخ المهنة، ولم يمض وقت طويل حتى لفت الأنظار بفضل أسلوبه الفريد في صياغة المذكرات القانونية وبراعته الاستثنائية في الارتجال والمرافعة الشفوية أمام منصات القضاء. تدرج سريعا في جداول القيد بالنقابة حتى أصبح واحداً من أشهر المحامين الجنائيين في مصر، وأسس مكتبا قانونيا تحول لاحقا إلى مدرسة تخرج منها أجيال متعاقبة من رجال القانون.
ارتبط اسم أحمد الخواجة بنقابة المحامين ارتباطاً وثيقاً؛ حيث انتخب نقيباً للمرة الأولى في 25 أكتوبر 1966 واستمر حتى عام 1971، ثم عاد ليفوز بالمنصب في فترته الثانية عام 1978 وحتى 1981، ثم عاد مجدداً في عام 1985 وظل نقيباً حتى رحيله في 22 ديسمبر 1996. وطوال أربعة عقود، رفع أحمد الخواجة شعارا مأثورا كتبه في سجلات النقابة: «إن المحامين قلب المجتمع النابض وصوته الناطق، وستظل نقابة المحامين أقوى قلاع الحرية».
خاض الخواجة معارك شرسة لحماية النقابة من التغول السياسي ومحاولات فرض الوصاية عليها، وحتى عندما تنامت المعارضة ضده داخل النقابة وتم سحب الثقة من مجلسه في يناير عام 1989 في جمعية عمومية عاصفة، تجلت حنكته السياسية والقانونية؛ باحترام إرادة الجمعية العمومية، ثم أعاد ترتيب أوراقه وخاض الانتخابات التالية مباشرة ليعاد انتخابه نقيباً بإرادة المحامين الحرة، مكرساً مبدأ التداول الديمقراطي داخل الكيان النقابي.
لم تكن مواقف أحمد الخواجة نابعة من رغبة في المعارضة لمجرد المعارضة، بل انطلقت من إيمانه بسيادة القانون، ففي عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ورغم كون الخواجة عضواً في «التنظيم الطليعي» التابع للاتحاد الاشتراكي، إلا أنه انتفض بقوة معارضا لما عرف بـ «مذبحة القضاء» عام 1969، والتي شهدت عزل مئات القضاة وحل مجلس إدارة ناديهم، واعتبر ذلك طعنة في خاصرة العدالة.
دبلوماسية الخواجة
ومع تولى الرئيس أنور السادات مقاليد الحكم، قاد الخواجة جبهة قانونية تطالب بإصلاحات دستورية وهيكلية عميقة؛ فكان في طليعة المنادين بإعادة مجلس القضاء الأعلى إلى الحياة، والداعين بقوة لتأسيس المحكمة الدستورية العليا لضمان رقابة القوانين، كما سجل موقفاً سياسياً وتاريخياً حازماً برفض نقابة المحامين لبعض البنود في اتفاقية كامب ديفيد.
أدت هذه المواقف الصادمة مع السلطة إلى صدور قرار بحل مجلس النقابة واعتقال عدد من رموزها ومن بينهم الخواجة نفسه في سبتمبر 1981، قبيل اغتيال السادات بأسابيع قليلة. وفي عهد الرئيس حسني مبارك، استعاد مكانته وواصل قيادة النقابة بتوازن مشهود يجمع بين الحفاظ على شعرة معاوية مع الدولة ودعم قضايا الحريات.
اشتهر الخواجة بتوليه أعقد القضايا الجنائية والسياسية التي شغلت الرأي العام المصري والعربي، دافع عن المتهمين في قضايا تنظيمات سياسية كبرى، وقضايا النشر، والسياسة، والمال العام. لم تكن مرافعاته مجرد سرد لنصوص ومواد قانونية، بل كانت قطعا أدبية وفلسفية رفيعة، يحلل فيها البواعث النفسية والاجتماعية للجريمة ويفند فيها أدلة الاتهام بثقة مفرطة وهدوء يأسر القضاة والحاضرين.
أما على الصعيد العربي والدولي، فقد وظف أحمد الخواجة منصبه كرئيس لاتحاد المحامين العرب لخدمة القضايا القومية، فساهم بجهود دبلوماسية شعبية وقانونية لكسر العزلة عن مصر وعودة العلاقات الرسمية والنقابية بين القاهرة وكل من دمشق وبغداد في نهاية الثمانينيات. جعل من اتحاد المحامين العرب منصة عالمية لدعم حركة التحرر؛ فكان الاتحاد أول مؤسسة عربية تستضيف المناضل الأفريقي نيلسون مانديلا، كما فتح أبوابه للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لمخاطبة الضمير العالمي. ومن المحطات الشهيرة في مسيرته حواره الحاد مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، دفاعاً عن القضايا العربية المشتركة وحقوق الإنسان.
رحل أحمد الخواجة عن دنيانا تاركا إرثا قانونيا ونقابيا لا يمحوه الزمن، ليبقى في ذاكرة المحاماة المصرية والعربية «نقيب النقباء» الذي علم الأجيال أن المحامي لا ينحني إلا للحق، وأن النقابة ستظل دوماً الحصن الحصين للحريات.













