منذ أن وُلدت هيئة قضايا الدولة عام 1874 تحت مسمى "لجنة قضايا الحكومة"، وهي تتبدل بين فرمانات وأوامر عليا، ومسميات مختلفة، تتسع صلاحياتها وتتعاظم أدوارها في الدفاع عن قضايا الدولة والحكومة، وصياغة التشريعات، حتى غدت اليوم إحدى الهيئات القضائية، وعلى امتداد أكثر من قرن، ظل مقعد رئاستها حكرًا على الرجال، تعاقب عليه اثنان وأربعون رئيسًا منذ أن جلس عبد الحميد بدوي باشا عام 1926 كأول مصري يتولى هذا المنصب، فيما بقيت المرأة غائبة عن قمة الهرم رغم أن حضورها في صفوف الهيئة تجاوز ربع أعضائها.
في المقابل، كانت النيابة الإدارية أكثر جرأة في فتح أبوابها أمام النساء، إذ تخطت نسبة تمثيلهن فيها حاجز 45%، وتوالت خمس سيدات على رئاستها، وبرزت أسماء 6 سيدات من بين أقدم سبعة نواب لرئيس هيئة النيابة الإدارية، ضمن ترشيحات رئاسة هيئة النيابة الإدارية الشهر الجاري، لتصبح شاهدة على أن الكفاءة لا تُقاس بجنس ولا تُقيدها أعراف.
اليوم، ومع اقتراب نهاية ولاية المستشار حسين مدكور في 30 يونيو الجاري، الذي اتسمت فترته بقرارات وإجراءات مثيرة للجدل لا طائل للهيئة واعضائها من فائدة، واليوم يقف التاريخ على أعتاب لحظة فارقة ومرتقبة نهاية الشهر الجاري لاختيار رئيس هيئة قضايا الدولة رقم 43.
معركة رمزية
فالقانون رقم 77 لسنة 2019 يضع آلية الاختيار بين أقدم سبعة نواب لرئاسة الهيئة، ليبرز اسم المستشار صلاح عبد الرؤوف، والمستشار عبد الناصر أبو العزم بما يحمله كلاهما من رصيد قانوني مشهود، ويحظيا بترحيب واسع لاستعادة دور الهيئة، وتطويرها، وتهيئة بيئة عمل أكثر ملاءمة ومناسبة لأعضائها، غير أن المشهد لا يكتمل إلا بذكر المستشارة مشيرة محمد عبد الرسول، التي التحقت بالهيئة عام 1980، وأمضت ما يقارب نصف قرن بين أروقتها، لتصبح مرشحة قوية لتولي رئاسة الهيئة حتى بلوغها سن التقاعد في أغسطس 2027.
رئاسة الهيئة ليست مجرد منافسة على منصب، بل هي معركة رمزية بين ماضٍ احتكرته الرجال وحاضرٍ يفتح الباب أمام أول امرأة لتجلس على عرش هيئة قضايا الدولة بعد 100 عام من الانتظار، وإذا ما تحقق ذلك، فإن اسم مشيرة عبد الرسول سيُسجل في ذاكرة هيئة قضايا الدولة كأول امرأة تتولي رئاسة الهيئة، حيث تتلاقى العدالة مع المساواة، ويُكتب فصل جديد في ملحمة المرأة المصرية.








