و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

أثارت تصريحات وزير التربية والتعليم الأخيرة بشأن تطوير مناهج الرياضيات والعلوم وفق النموذج الياباني حالة واسعة من الجدل والاهتمام، خاصة مع الإعلان عن تطبيق مناهج الرياضيات المطورة تدريجيًا في المدارس الحكومية، وتحديث مناهج العلوم للمرحلة الابتدائية بما يتوافق مع مخرجات التعلم اليابانية. 

وفي الحقيقة، فإن مجرد التفكير في الاستفادة من التجارب التعليمية الناجحة عالميًا يُعد خطوة إيجابية، خصوصًا أن التجربة اليابانية لا تقوم فقط على تطوير المحتوى الدراسي، بل على فلسفة تعليمية كاملة تهتم ببناء شخصية الطالب، وتنمية التفكير، والعمل الجماعي، والانضباط، وربط المعرفة بالحياة اليومية.

المناهج اليابانية

لكن تطوير المناهج لا يجب أن يُختزل في تغيير الكتب أو استبدال العناوين، لأن نجاح أي تجربة تعليمية يرتبط بقدرتها على التكيف مع طبيعة المجتمع والطالب والمعلم والبيئة التعليمية نفسها، فالمناهج اليابانية نجحت داخل منظومة متكاملة تشمل تدريب المعلمين، وكثافة الفصول المناسبة، والأنشطة، والدعم النفسي والتربوي، وثقافة تعليمية مختلفة في التعامل مع الطالب.

ومن هنا، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام تطوير حقيقي لفلسفة التعليم، أم مجرد نقل لمحتوى جديد داخل نفس الضغوط القديمة؟، فالطالب المصري اليوم لا يعاني فقط من طبيعة المناهج، بل أيضًا من كثافة التقييمات، وضغط الدرجات، والدروس الخصوصية، والزحام داخل بعض الفصول، وهي تحديات قد تؤثر على أي محاولة للتطوير مهما كانت جودتها، كما أن نجاح التجربة يتطلب حوارًا مجتمعيًا واسعًا يضم المعلمين وأولياء الأمور والمتخصصين في التربية والصحة النفسية، حتى لا يتحول التغيير إلى عبء جديد على الطالب والأسرة.

كما تثير كثرة التغيرات والتجارب تساؤلات عديدة أهمها هل هذه القرارات قرارات وزارية منفردة ام ان التعليم بوصفه قضية أمن وطني وأساس مستقبل الأجيال القادمة، وعليه طرحنا بعض التساؤلات على الدكتور أحمد سعيد عزت، دكتور القانون المدني والحائز على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاقتصادية والقانونية 

حول الإطار القانوني والتنظيمي للمناهج والاختبارات والخريطة الزمنية للعام الدراسي إذ انه من المعروف أن مؤسسات التعليم الجامعي المختلفة تخضع للوائح داخلية ملزمة بعدد ساعات دراسية محدد لابد ان يجتازها الطالب وهناك ضوابط لاختبار المواد المختلفة لا تتغير بشكل مفاجأ او حتى بشكل سنوي فهل يوجد في القانون المصري أو في التشريعات المنظمة للتعليم ما يحدد مدة الدراسة والمناهج وعدد الاختبارات الدورية والسنوية في مراحل التعليم قبل الجامعي؟ 

فأوضح الدكتور أحمد سعيد أن القانون المصري يعتمد على التفويض التنظيمي لوزير التربية والتعليم والمجلس الأعلى للتعليم قبل الجامعي في تحديد تفاصيل نظم الامتحانات والتقويم.

وقد نصت المادة (5) من قانون التعليم المصري رقم 139 لسنة 1981 وتعديلاته على أن وزير التربية والتعليم، بعد موافقة المجلس الأعلى للتعليم، يحدد بقرار منه:

• مدة السنة الدراسية 

• عدد الدروس الأسبوعية 

• المناهج 

• نظم التقويم والامتحانات 

• النهايات الكبرى والصغرى للدرجات 

• مواعيد الامتحانات 

أي أن المشرّع لم يضع عددًا محددًا للاختبارات داخل القانون نفسه، وإنما ترك ذلك للقرارات الوزارية والتنظيمية المتغيرة بحسب السياسة التعليمية. 

كما أن التعديلات الحديثة لقانون التعليم أكدت الاتجاه ذاته، وفقًا لنص المادة (18) المعدلة بالقانون رقم 169 لسنة 2025 التي خصصت لأعمال السنة نسبة مئوية لا تتجاوز 20% من المجموع الكلي لطلاب نهاية مرحلة التعليم الأساسي، على أن تحتسب باقي النسبة لدرجات امتحان يعقد من دورين على مستوى المحافظة، ويُمنح الناجحون فيه شهادة إتمام الدراسة بمرحلة التعليم الأساسي، ويصدر بنظام احتساب درجات أعمال السنة ونظام الامتحان قرار من وزير التربية والتعليم بعد موافقة المجلس الأعلى للتعليم قبل الجامعي، على أن يتضمن هذا القرار ضوابط وشروطًا وضمانات تربوية وتعليمية تكفل حصول الطالب على تقييمه الصحيح والعادل وبما يحقق مبادئ المساواة والعدالة والشفافية وتكافؤ الفرص.

وبالتالي فإن عدد الامتحانات الشهرية أو التقييمات الأسبوعية أو اختبارات الترم لا يحدده القانون مباشرة، وإنما يُنظم عبر القرارات الوزارية، والكتب الدورية، وضوابط وزارة التربية والتعليم الصادرة كل عام دراسي. 

ومن الناحية العملية، شهدت السنوات الأخيرة تغيرات متكررة في نظام امتحانات الشهور، والتقييمات الأسبوعية، وأعمال السنة، ونسب التقييم المستمر، وذلك بقرارات تنظيمية من وزارة التربية والتعليم، وليس بتعديل تشريعي مباشر في قانون التعليم.

هل توجد نصوص ملزمة تنظم عدد أيام الدراسة الفعلية لكل مرحلة تعليمية، أم أن هذا الأمر يخضع بالكامل لقرارات تنظيمية من وزارة التربية والتعليم؟ 

يوجد تنظيم تشريعي عام يفوض الوزارة تنظيم العام الدراسي، لكن عدد أيام الدراسة الفعلية لا يُحدد مباشرة في القانون، وإنما يخضع أساسًا لقرارات تنظيمية سنوية تصدرها وزارة التربية والتعليم أو الجهات الجامعية المختصة، فالقانون يضع الإطار العام فقط، بينما التفاصيل العملية — ومنها عدد أيام الدراسة الفعلية — تُحدد سنويًا بقرارات وزارية وخطط تنظيمية.

• ما الطبيعة القانونية لهذه القرارات (قانون – لائحة – قرار وزاري)، وما مدى قوتها الإلزامية؟ 

القرارات المنظمة لعدد الاختبارات، وأيام الدراسة، والخريطة الزمنية للعام الدراسي، ونظم التقييم في مصر، تُعد في الأصل قرارات إدارية تنظيمية تصدر عن السلطة التنفيذية، بناء على تفويض القانون وغالبًا ما تأخذ صورة قرارات وزارية، أو لوائح تنفيذية وتنظيمية، أو أحيانًا كتب دورية وتعليمات تنظيمية داخلية، وتختلف القوة القانونية لكل منها بحسب درجتها في التدرج التشريعي.

وبشكل عام يمكن القول بأن القرارات الوزارية التنظيمية ملزمة للمدارس والجهات التعليمية، وملزمة للطلاب والعاملين متى صدرت صحيحة، وتتمتع بقرينة المشروعية إلى أن يُقضى بإلغائها. 

وقد استقر قضاء مجلس الدولة المصري على أن القرار الإداري التنظيمي واجب الاحترام والتنفيذ طالما صدر من السلطة المختصة وفي حدود القانون.

• هل توجد أي آليات رقابية أو تشريعية تضمن ثبات هذه الضوابط وعدم تغييرها بشكل سنوي أو إداري؟ 

في النظام القانوني المصري لا توجد — في الوقت الحالي — آلية تشريعية صارمة تضمن ثبات ضوابط مثل عدد الاختبارات، أو نظام التقييم، أو عدد أيام الدراسة، أو الخريطة الزمنية، على نحو يمنع تعديلها سنويًا بقرارات إدارية.

بل إن البناء التشريعي نفسه قائم على فكرة التفويض التنظيمي المرن للسلطة التنفيذية في إدارة العملية التعليمية.

ومع ذلك، توجد مجموعة من الآليات القانونية والرقابية التي تحد — نظريًا وعمليًا — من التغيير العشوائي أو غير المشروع، ومنها الرقابة البرلمانية، الرقابة القضائية، الرقابة المؤسسية والفنية من خلال المجلس الأعلى للتعليم قبل الجامعي.

• هل يلزم قانونًا أو تنظيمًا إداريًا الرجوع إلى متخصصين في علم النفس التربوي عند وضع جداول الامتحانات أو نظم التقييم؟ ما طبيعة هذا الدور: استشاري فقط أم ملزم في اتخاذ القرار؟ 

في التشريع المصري الحالي لا يوجد — بوجه عام — نص قانوني صريح يُلزم وزارة التربية بالرجوع الإجباري إلى متخصصين في علم النفس التربوي عند وضع جداول الامتحانات أو نظم التقييم، وإنما يتم ذلك غالبًا باعتباره مقتضى فني وإداري.

• هل يمكن لمجلس النواب التدخل تشريعيًا لوضع إطار قانوني أكثر وضوحًا ينظم عدد أيام الدراسة ونظام التقييم في التعليم قبل الجامعي؟ 

• وإذا كان الأمر يخضع حاليًا للقرارات الوزارية، فهل هناك ما يمنع تحويل بعض هذه الضوابط إلى نصوص قانونية ملزمة؟ 

الفلسفة التشريعية

يحتاج الأمر إلى تدخل تشريعي بتعديل القانون، وإن كان الأمر يستدعي تعديل الفلسفة التشريعية للقانون بما يقتضيه وضعه الحالي من مرونة اتخاذ القرار، وهو الأمر الذي يتناسب مع الوضع العام للسنة الدراسية وتحديد أيامها.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى التساؤل مطروحًا أمام مجلس النواب، والسادة أعضاء لجنة التعليم تحديدًا:هل آن الأوان لفتح نقاش تشريعي جاد حول ضرورة وضع إطار قانوني أكثر ثباتًا واستقرارًا للعملية التعليمية، يضمن قدرًا من الوضوح والاستمرارية في نظم التقييم والخطط الدراسية، بعيدًا عن التغييرات المتلاحقة التي تربك الطالب والأسرة والمعلم معًا؟

فالتعليم ليس ملفًا إداريًا عابرًا، بل قضية أمن قومي ترتبط مباشرة بمستقبل الوطن وتشكيل وعي أجياله القادمة، وربما أصبح من الضروري التفكير في تشريع يحقق التوازن بين مرونة التطوير، وضمان الحد الأدنى من الاستقرار التربوي الذي تحتاجه أي منظومة تعليمية ناجحة.

تم نسخ الرابط